تاريخ لا ينبغي أن ينساه إفريقي مهما مرّ الزمان ومهما تغير وجه الأرض! بل لا ينبغي أن ينساه شامي ولا مغربي بل ينبغي ألا يغفل عنه مصري ولا سوداني ولا يجوز أن يتغافل عنه عراقي ولا ليبي! إنها الأيام الداكنة بين عامي 1885- 1886م، في تلك الأيام اجتمعت أربع عشرة دولة أوروبية هي أقوى الأمم على وجه الأرض، اجتمعوا في برلين عاصمة ألمانيا الموحدة الفتية ليحسموا مسألة جغرافية بسيطة، لمن السيادة على حوض نهر الكونغو؟! ماذا؟ حوض نهر الكونغو؟ وما بال أوروبا بنهر الكونغو الذي يبعد آلاف الأميال عن العاصمة الألمانية؟! المسألة بسيطة، فرنسا وبلجيكا وبريطانيا لهم مزاعم حول منطقة نهر الكونغو، ولأنهم إخوة ولا ينبغي الشقاق بينهم جلسوا هذه الجلسات الأخوية لينهوا هذه المشكلة ويحسموا التنازع! ولكن بأي حق تتقاسم عدة دول مصائر شعوب ليس منهم ممثل واحد في هذا المؤتمر؟! لم يكن هناك إفريقي واحد شاهدًا في تلك الجلسات! ولكن كذلك لماذا يحضر إفريقي وهو في سِنَةٍ طويلة أعقبها نوم عميق؟! تساؤلات كثيرة ولكن التساؤل الذي يهمنا الآن إلى أي نتيجة وصل ذلك المؤتمر؟ عدة نتائج:
1- الاعتراف لفرنسا بحقها في أرض الضفة الشرقية لنهر الكونغو وهي ما سوف تعرف بـ(الكونغو برازافيل).
2- الاعتراف لبلجيكا بأغلب أرض حوض الكونغو وهي التي سوف تعرف مستقبلًا بالكونغو الديمقراطية أو زائير.
3- الاعتراف لألمانيا بحقها في أربع أراضٍ إفريقية وهي إفريقيا الجنوبية الغربية (ناميبيا المستقبيلة) والكاميرون وتوجو ولاحقًا تنزانيا.
4- حرية التجارة الدولية والملاحة الحرة خلال نهر الكونغو.
5- نشر الحضارة والتجارة والمسيحية في أراضي إفريقيا.
كل هذه النتائج قد يكون فيها رائحة من المنطقية أما النتيجة السادسة:
6- إذا طالبت أية دولة أوروبية بالمزيد من الأراضي الإفريقية فكل ما عليها أن تُعلم بقية الدول الأوروبية وأن تقوم باحتلال حقيقي وكامل لتلك الأرض المدّعاة!
طبعًا ليس في النتيجة السادسة أي استئذان لإفريقي واحد في انتزاع أرضه والسيطرة عليها! هكذا بكل سهولة وبساطة، ونتج عن الجملة الأخيرة في تلك الاتفاقية السوداء ما يلي خلال خمس وعشرين سنة:
إسبانيا تمتلك: شمال المغرب وجنوبه وغينيا الاستوائية.
فرنسا تمتلك: بقية المغرب وتونس والجزائر والكونغو الفرنسية والصومال الفرنسي (جيبوتي) وبنين وبوركينا فاسو وساحل العاج وغينيا ومالي والنيجر والسنغال وإفريقيا الوسطى وتشاد والجابون وجزر القمر ومدغشقر.
البرتغال تمتلك: موزمبيق وغينيا بيساو وكيب فردي وساوتاومي وبرنسيبي وأنجولا.
بريطانيا تمتلك: بعد أن احتلت مصر عام 1882: السودان وكينيا وأوغندا والصومال البريطاني وزامبيا وزيبمبابوي وملاوي وجنوب إفريقيا وبوستوانا وسيراليون.
إيطاليا تمتلك: الصومال الإيطالي وإرتريا وليبيا ومستقبلًا في حكم الفاشية أثيوبيا.
بلجيكا تمتلك: الكونغو.
ألمانيا تمتلك: تنزانيا وناميبيا والكاميرون وتوجو (سوف يتم توزيعها مستقبلًا في الحرب العالمية الأولى بين بريطانيا وفرنسا!).
وماذا بعد ذلك؟ إنه التمزيق والتفتيت، إنه تآمر اللئام على اليتامى المساكين الذين لا حيلة لهم ولا تدبير، إنه تقسيم كعكة الأمم المقهورة بسكين السادة الجبابرة! ثم إنه القهر والاستعباد والتدمير والسادية، إنه استعلاء الأمم القوية الجبارة على الأمم الضعيفة المسكينة، تلك الأمم العالية التي امتلكت ما لم يملّكها الله حتى تقادم عليه العهد فصار حقًا مكتسبًا ليس من حق أحد طلبه أو انتزاعه، وهنا تحضرني عدة قصص توضح المفارقات الغريبة المتعلقة بتلك الروح الاستعمارية العاتية المتناقضة، ففي الحرب العالمية الثانية احتلت ألمانيا النازية فرنسا كلها جملة واحدة وورثت كل مستعمراتها في الشرق الأقصى والأدنى، ولكن فلول الجنود الفرنسيين تم تجميعهم بمساعدة بريطانيا تحت قيادة ضابط شاب هو شارل ديجول، جمّع ديجول تلك الجنود المتفرقة بمساعدة جيوش بريطانية لاستعادة مستعمرات فرنسا لتكون قاعدة انطلاق لفرنسا المهزومة! وبالفعل استعادت قوات فرنسا الحرة تدريجيًا مستعمرة تلو مستعمرة وكأنها ورث آبائها وأجدادها! حتى استعادت دول المغرب العربي ببطش القوات الأمريكية والبريطانية التابعة بل حتى مستعمرة الهند الصينية (فيتنام الحالية) حينما احتلها اليابانيون من الفرنسيين في الحرب وانهزم اليابانيون آلت الهند الصينية مرة أخرى إلى فرنسا لتنتقل تلك الشعوب المسكينة من قبضة محتل إلى قبضة محتل آخر ثم إلى قبضة المحتل الأول بلا حول ولا قوة! فتضطر إلى الكفاح المسلح لا حل سواه في النهاية! بل تزداد المهزلة تصاعدًا حين تشجّع الدول المقهورة أحد الجانبين في الحرب العالمية وتصفق له تبعًا لرغباتها في الحرية والتخلص من الأسر، تمامًا كأنهم يشجعون فرق كرة قدم! فالليبيون يشجعون الحلفاء لأنهم محتلون من قبل إيطاليا المحورية بينما المصريون والمغربيون يشجعون المحور ويهتف المصريون إلى الأمام يا رومل لأن بلادهم محتلة من قبل دول الحلفاء، وكلا الفريقين تدور على أراضيهم معارك بين الحلفاء والمحور وهم متلهفون منتظرون تُرى من يحتلهم أولًا؟! وهم لا إرادة لهم في حرية حكم بلادهم اللهم إلا التصفيق والرقص على أطلال بلادهم! وفي خلال تلك الأحداث المتصاعدة يكتب شارل ديجول (المسكين) الذي احتُلت بلاده من قِبَل ألمانيا (الآثمة) في مذكراته مشتاقًا إلى حرية بلاده التي اغتصبها المحتلون! في حين أن بلاده قبل الحرب اغتصبت عشرات الدول بلا أي وجه حق وكأنه بلسان حاله يقول: الحرية حق لشعوبنا الغربية فقط أما بقية الحثالة من الشعوب فليس لهم سوى السَوط! ثم تتصاعد المهزلة المضحكة المبكية أكثر حين يستعيد الحلفاء الجزائر ويعدون الجزائريين بمناقشة الاستقلال في مقابل تجنيدهم للحرب من أجل تحرير فرنسا فلا يجد الجزائريون مانعًا من قبول العرض لتتحرر فرنسا بمشاركة أيدٍ إفريقية وجزائرية لتنال فرنسا حريتها وتنال تلك الشعوب صفعة مدوية بعد ذلك متمثلة في مجزرة الجزائر 1945 بعد انتهاء الحرب التي راح ضحية فيها أكثر من أربعين ألف جزائري ليس لشيء سوى مطالبة فرنسا بتنفيذ وعدها! والإجابة واضحة وصريحة لا وعود ولا عهود بين الإمبريالي المتوحش وفريسته الضائعة بل الرصاص، الرصاص فقط!
إنها الإمبريالية. إنه فن الاحتلال والتقسيم. إنه لغة الاستعلاء والسيطرة على الثروات، إنها لعبة الكبار لا مجال فيها للحب ولا العاطفة ولا الإنسانية بل القهر والغصب.
بل ما سوف يزيد ضحكك ويجعلك تستلقي على ظهرك من القهقهة أنه بعد أن انتصر الحلفاء ونصبوا محكمة نورنبرج لمحاكمة النازيين المهزومين كان من جملة اتهاماتهم غزو واحتلال دول حرة محايدة! في حين أن بريطانيا كانت وقتها تحتل خمس العالم وفرنسا تحتل خُمسًا آخر ويحاكمون مهزوميهم بتهمة الاحتلال! إنها سياسة ازدواجية المعايير في أبشع صورها وأكثرها إضحاكًا في نفس الآن!
هذه لمحة يسيرة عن الاستعمار وتبقى آثاره المدمرة شاهدة عليه إلى زماننا الآن وإن غاب شكله القديم الكالح ولكنه يبزغ بصورة فظيعة قائمة إلى زماننا، إنها آثار التمزيق، التمزيق الذي خلّفه الاستعمار خلفه حين خرج مرغمًا من بلادنا، إنها آخر ورقة لعب بها المستعمر بعد أن جر أذيال الخيبة مطرودًا مدحورًا من بلادنا إنها ورقة التفريق والتفتيت، خرج من بلادنا ليتابع آثار يديه الخبيثة في أراضينا وشعوبنا التي لم تكن كما كانت من قبل مقدمه المشئوم.
أمم كانت قبل الاحتلال موحدة متماسكة دخلها الغاشمون ثم خرجوا فإذا هي أمم ممزقة مفتتة مشتتة، إنها ظاهرة غريبة وعجيبة جديرة بالدراسة والاستقصاء، إنها لعبة دنيئة؛ إنها لعبة تمزيق الأمم.
The post تمزيق الأمم appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست