من ينامون في انتظار أحلام القهر، ليسوا سواء إلا في مفارشهم المعدة لإنسان مسلوب مغلوب، كالمواطن العربي المصطبغة حياته بكل صنوف البطش والظلم والاستعباد، وإن تفاوتت ألوان ذلك الظلم ومسمياته ودرجاته.
حين تطلع على مجمل ما تنشره المواقع الصحفية لا سيما مقالات الرأي، ومن مختلف الأعمار والتوجهات الفكرية، تجد شبه إجماع على ما يعيشه الإنسان العربي من إحباط وبؤس، وما يستتبع ذلك من احتقان وغليان، كمنتج أولي لدوائر الاستبداد المحكمة على عنقه وعقله ولسانه. إن المستبد عمومًا لا يفتر من الاستمرار في إنتاج كل ما من شأنه إبقاء قبضته حديدية صارمة، وإن كان الثمن أن تباد حماة أو حلب، أو تدمر حضارة إنسانية ضاربة من التاريخ، حاكية عن أجيال وعت رسالتها في حفظ تراث الإنسان ومعارفه منذ أزمنة بعيدة. إن استعداد المستبد لإزهاق روح إنسان واحد أو إذلاله، أكثر فظاعة بالطبع من إحراقه متاحف ومعالم وآثارًا ليس له إدراك قيمتها ما دام ذاهلًا عن قيمة الإنسان نفسه.
سلاح تغييب الوعي
ولأنه يقوم على فرضيات الأزمات الحلقية المتصلة ببعضها البعض، فإن المستبد يظل أكثر حرصًا على التجهيل وتغييب الوعي، وتجده أكثر ضراوة في محاربة أدوات المعرفة ومنافذ التنوير. إن تعطيل قنوات الاتصال أو خدمات الإنترنت أو حجب المواقع المعارضة، ليس إلا أمثلة لما يراه المستبد من أخطار التوعية بالكلمة وإن كانت تغريدة عل جدار إلكتروني لا تحمل رشاشًا ولا قنابل يدوية. إن ما يقوم به المستبد من تعسف لا يستهدف من هم اليوم تحت عصا الطاعة، أو تحت رحمة الإغراء بالمال والكراسي الدوارة، وإنما تمتد أنظار إلى تلك الأجنة التي لم تتخلق في أرحامه بعد.
المعرفة عدو لدود
ليست المعرفة المعنية تلك المعلومات الباردة المعبأة الملقاة على أذهان الطلبة أو في مطاحن أدمغتهم، لكنها تلك المحفزة للوعي، الدافعة إلى الإحساس بالكرامة. إنها المعرفة المتجاوزة لأسوار القبيلة والطائفة والحزب والسيد. يبدو المستبد أكثر حماسًا وتفاعلًا مع أدوات التواصل الحديثة ومختلف منتجات العولمة لو اقتصرت على مقاطع الرقص وإحراز الأهداف والمصارعة وتوثيق الحياة البرية. أما أن تصبح حاملة لأفكار وناقلة لوعي، فذلك سبب كاف لردعها وتحجيمها وإن أعاد حياة الشعب سنين تقنية، أو حرم أجيالًا من مناظرة رصفائها في مواضع أخرى من الأرض.
علماء في محيط التجهيل
إن الدعوة للتجهيل ومحاربة المعرفة لا تتم علنًا بطبيعة السياق، لكنها تستخدم مراكب شتى، من بينها أهل المعرفة أنفسهم بمختلف مجالاتهم وتخصصاتهم ومضاربهم العلمية والمهنية؛ لتحقيق نتائج آكد وأسرع وأبلغ أثرًا. ويحظى متابعو القنوات الحكومية، بمشاهدة فئام من أولئك المسبحين بحمد الأنظمة والطائفين بكراسيها، ولعل المتابع للإعلام العربي قبل ثورات الربيع وما تلاها من استعادة الرموز العتيقة للأنظمة المنهارة لمراكز نفوذها، يقرأ بوضوح كم تدمى بلداننا من بعضها البعض ومثقفوها وقادة الرأي فيها حين يمحو الليل ما يقوله المثقف نهارًا، وتمحو دموعه ما خطه بالأمس في ذم النظام.
منتجات الاستبداد
إن المراهنة على خلق أزمات عميقة، قد تكون صائبة في كثير من الحالات والبلدان. وفي مشاركة لي حول العنصرية في البلدان العربية بمدونات الجزيرة، كنت قد تناولت خلفيات مظاهر العنصرية لتأسيس فكرة أعمق لدى المتلقي، وصرفه عن الانشغال بمظاهرها ونتائجها فقط، وكان مما قلته: «في ظل الأوضاع القائمة في البلدان العربية يتعذر وصف المشكلات الاجتماعية عمومًا بشكل دقيق، منها مشكلة العنصرية التي تتفاوت درجاتها ومظاهرها في الدول العربية لكنها تشترك في دوافع عامة منها انسداد الآفاق السياسية، وغياب العدالة في توزيع الثروات والفرص والوظائف، إلى جانب غياب دور المثقفين والأكاديميين ومراكز البحوث والإعلام وبالجملة انسداد الأفق الثقافي أيضًا. ويمكننا تلخيص كل ما سبق في سبب رئيسي واحد يتمثل في الاستبداد السياسي وصناعته لمشكلات اجتماعية عميقة ومستمرة تستخدم فيما بعد مبررًا لبقاء الأوضاع على ما هي عليه».
The post عن منتجات الاستبداد appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست