الجمعة، 28 أبريل 2017

ثقفني اون لاين : اقْرَأْ بِدَايَتكَ!

(1)
يومَ تنزّلت الرحمات
في الصحيحين عن عائشة – رضي اللَّه عنها – قالت: أول ما بدئ به رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلق الصبح، ثمّ حبّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها، حتى فجئه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: «اقرأ» فقال: «ما أنا بقارئ» – قال – فأخذني فغطّني، حتى بلغ منّي الجهد، ثم أرسلني فقال: «اقرأ» فقلت: «ما أنا بقارئ». فأخذني فغطّني الثالثة حتى بلغ منّي الجهد، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَق اقْرَأ وَرَبُّكَ الأَكْرَم الَّذِي عَلًّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم﴾.

(2)
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقْ﴾
البداية كانت بـ«اقْرَأْ»، والنهاية ستكون «وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ»، فتأمَّل!
وكأنَّ الرسالة الافتتاحيَّة: اقرأ بدايتك، وكلَّما قرأت؛ كلًّما ارتقيت في الحبّ واقتربت، فبها تُزيل جهلك عن «رَبِّكَ»، وهي مفتاح الإذعان والتسليم إليه – سُبحانه -، وأصلٌ لبلوغ كلّ مجدٍ في حياتك.
كذلك تخبرك أنَّك من أمَّة اقرأ، وأنه منوطٍ بك السعي إلى التعلَّم -والاجتهاد في ذلك -، وما سوى ذلك – من الجهل – هو نقيصة في حقك.
«بِاسْمِ رَبِّك» أي باستعانتك بربّك اقرأ فيما شئت من العلوم، لكن؛ وفق المنهج الربّاني. كذلك فيها تقريرٌ لمعنى الربوبية الذي فيه مُفاتيح الإيمان باللَّه سُبحانه. وكأن الرسالة تجيبك عن الله بربوبيّته، هو الربُّ، هو المالِك الخالق؛ المدبِّر القادر، هو المنفرد بكلِّ معاني الربوبية؛ له – وحده – المُلك والمِلك التام.
ولمَّا تنظر في معاني الربوبية – وتشهدها -، تشهدُ مدبرًا عظيمًا، غنيًا كريمًا، جبَّارًا رحيمًا، أمرك ومردُّك إليه، فتعرجُ في مشاهد العبوديَّة، متأملًا في أسمائه وصفاته، ناظرًا في مفعولاتِه، متدبرًا في آياتِه، فيمتلئ قلبك حبًّا وإجلالًا لهُ سُبحانه، حينها تشتاقُ إلى لقائِه وتأنس بحديثهِ وتشغلك مشاهد كرمهِ ورحمتهِ وجماله عمَّا سواه، فتسير إلى بابهِ عبر مدارج السالكين ومنازل السائرين، وهذا هو تمام العبوديَّة!
فاقرأ باسمه لتفلح وتكرَم.

(3)
﴿خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقْ﴾
«خصَّ الخلق من بين كلِّ صفات كماله لأنه من أعظم النِعم التي أنعم بها علينا، وهي مفتاحٌ لفهم معنى الربوبيّة ومعرفة المراد من خلقك وتصويرك، وخصَّك من بين كلِّ المخلوقات وذكر أصلك لتنظر فيه وتعلم مدى عظمته ونِعمه التي لا تستطيع شُكرها، وكأن الرسالة: أنت مخلوقٌ من علقٍ – من لا شيء -، والواجب عليك أن تنظر في ذلك الكون نظرة متدبرٍ مُبصِر، تشاهدُ آلاء اللَّه وصفات كماله، وتسأل نفسك كيف كنت قبل أن يتزوج والدك بوالدتك؟ كيف صِرت من نطفةٍ إلى علقة إلى مضْغةٍ، إلى عظمٍ، إلى لحمٍ، إلى كائنٍ سويّ؟
وتتابع؛ إذا كان هذا الكون بجماله وروعته مخلوقًا؛ فكيف بالخالق؟
حينها ؛ تُشرق مخابئ رُوحك – كأرض مُقفرةٍ أصابتها غيمة مطر فأنبتت بها زهرًا وثمرًا – تذوبُ حياءً وتتقازمُ أمام قُدسيته – سُبحانه – وتتمتمُ بخجلٍ وانكسار: واللَّه يا رب، ما دنا لي أوسع من حِلمك ورحمتك، ولا أعظم من منّتك وقدرتك، وإني وعزَّتك جئتكَ مُوحدًا مُلبيًا مُجيبًا، وهذا هو تمام التدبر والإبصار!

(4)
﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمْ الَّذِي عَلًّمَ بِالْقَلَمِ﴾
الرسالة تُخبرك – باختصار -: اقرأ لتُكرَم، والتعبير بأفعل التفضيل يؤكّد لك أنّ أعلى درجات الكرم الإلهيّ تكون بقراءتك وعلمك، وإذا كُنت قد تأملت معنى الرب ونظرت في كيفية خلقهِ لك؛ فأنت الآن تعلمُ من الكريم وكيف يكونُ الكرم!
فاقرأ مُستعينًا بربّك واكتسب ما تستطيع من العلوم، فإنه بقراءتك يتغذى عقلك، وينضج فكرك، وتعرف ربَّك. هيا؛ حقق المعادلة واقرأ، تنل الإجابة وتُكرم.
«كذلك فربك لم يقل «عَلَّمَ» بالقراءة، وهذا يدلُّ على أنَّ العامل الأساسي في التعلُّم هو التدارس والتدوين «بِالْقَلَمِ» مع أهميًّة القراءة لأنها الوسيلة لذلك، وإن كان العلمُ والمعرفة غيثًا فالقلمُ هو ميزابُ هذا الغيث يحفظهُ من النسيان والضيَاع.

(5)
هُنا في «العَلَق» بدايتُك، هُنا حياتك وخلقك وُضعا بين العلم والقراءة، وكأنّ الرسالة: أنت وُجدت لغرض القراءة والعلم فلا تخرج من بينهما فإن فيهما أصل نجاحك وسرّ فلاحك.
هُنا آياتٌ قصيرة بمدلولاتٍ ومعانٍ عظيمة، لو سطَّرنا لها أبوابًا ومجلداتٍ ما وفَّينا حقها، تحتاج منك أن تقرأها بنفسية الباحث المتأمِّل وليس المار المتعجِّل، متدبرًا فيها عاملًا بأحكامها ومقتضاها، لتنتقل بكتاب ربِّك من المصحفيَّة إلى القرآنية، فتحقق النجاح في دُنياك وآخرتك.

(6)
ربّ بلغنا المُنى وافتح علينا بالقرآن واجعله لنا زادًا لا يبورُ ولا يفنى، واجعلنا من أهلهِ وخُدَّامِه.

The post اقْرَأْ بِدَايَتكَ! appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست