احضنيني الآن يا أمي. هذه الجملة التي لم تقلها وقتها، ظلت تحلق في سماء حلقك كسحابة من الأسمنت، لا سبيل أن تُمطر ماء رائقًا أبدًا، لكن أحجارًا تبتلع فتاتها بين فترة وأخرى، فتنبت داخلك بيوتًا تنتحب جدرانها مساء كل يوم.
لا أعرف هل تحليلي الدائم لما وراء المشهد المرئي هو الذي جذبني إلى محمود! أم أنه مَن سحبني من الواقع لنتسلل سوية ممر أرضية قاسية، نقابل في نهايته طفلة تتكور حول نفسها أسفل غطائها وتبكي بحُرقة، بعد أن أرهقها الترقب، حتى تغُط والدتها في نوم عميق، تسرق ذراعها وتحتضنه، لتحصل على جزء من جسد والدتها المُحتل بالكامل من شقيقتها الصُغرى.
من المتهم في الجرائم الصغيرة يا محمود؟
رددت هذا السؤال داخل رأسي، أسئلة كثيرة لم أوجهها يومًا لأي شخص، ولم أستجب لإغراء فكرة أن أطلقها في الهواء ربما تجيب عنها السماء أو الأسفلت، أو صاحب الاسم المكتوب على حائط بجانب شارع فرعي مررت به كثيرًا، أو الحائط نفسه. أرتعب من فكرة أن يخرج السؤال فتصدمه سيارة، ثم يُخرج صاحبها يده بلا مبالاة قائلًا: معلش.
وبالتالي لم أسأل محمود هذا السؤال، اكتفيت بابتسامتي الشهيرة التي أخفي بها توترًا مفاجئًا هاجمني بشدة، كانت المرة الأولى التي لا أشعر بالحزن فقط حين ألتقي محمود صدفة، هذه المرة صاحب الحزن توتر شديد، لم أقابله في المكان المعتاد، في مكان مختلف تمامًا، ولكن أطنان القمامة التي ترتفع فوق طوله بمرة ونصف كانت نفسها، وعيون محمود المتسمّرة نحوي تحمل النظرة نفسها، الحزن الذي يجلس على رموش عينيه مازال يدلدل رجليه ويركل وجنتيه بقسوة هو هو، والابتسامة التي لم يمنحني إياها كاملة أبدًا، في كل مرة أحيطه بذراعي كانت كما هي أيضًا.
الحزن الذي يعصر روحي بسبب رؤيتك أستطيع أن أتفهم أسبابه، لكن التوتر هو ما بحثت عن سببه طوال الطريق بعد أن تركتك يومها، وما توصلت إليه لم يكن سوى شيء بديهي، ببساطة توترت لأني أيقنت أن لا سبيل لأن ألتقي جسدك النحيل غير ملتصق بأكياس القمامة، هذه مهنة عائلتك، وأنت تمتهنها رغمًا عن أنفك يا صغيري، ولا أستطيع أن أفعل شيئًا لأغير مصيرك، أنا لا أستطيع سوى فعل القليل لأغير مصيري أنا شخصيًا، لكن هل العمل في جمع القمامة هو الوجع الأكبر في حياة طفل لم يتجاوز العاشرة؟ أم أن الوجع الأكبر لأي طفل هو قلة الأحضان؟
بما أن الكثير من الأسئلة هربت من رأسي وسقطت على الورق الآن بسببك، هيا بنا يا محمود نبحث عن الإجابات سويًا، من المسؤول عن جرائم قلة الأحضان؟
وبذكر ارتكاب الجرائم نحن بحاجة لسرد الوقائع أولًا.
وقائع الجريمة الأولى
طفلة لم تبلغ عامها السابع بعد، يرافقها شعور يصل لحد اليقين أن لا أحد يحبها، شعور متراكم بناء على أحداث عدة لم يستطع عقلها الصغير وروحها الهشة سوى ترجمتها إلى لقب ملكة المنبوذين، منحته لنفسها وبكت بجوار تاجها القبيح، وحين حاولت التعبير بكتابة بعض الكلمات: أنا حزينة فلا أحد يحبني، وأصلي لأموت، ووضعت الورقة داخل مزهرية تعرف أنها ستجد طريقها ليد والدتها، فتمنحها سيلًا من الأحضان. عادت من المدرسة لتجد الورقة تمر من يد إلى يد بعض أفراد الأسرة، يقرأون الورقة بابتسامات عريضة، تتحول لتمثال مُضحك يزين منتصف صالة المنزل، تراقب أسنانهم المطبقة على رقبتها وشفاههم المفتوحة في نشوة، لا تهرب إلى السجن وتغلقه على نفسها بإحكام كالعادة حين تشعر بالغضب، بل تتأمل إهانتهم لها طويلًا، تحاول أن تحفظ شكل الألم حين تبوح بسرك لمن لا يؤتمن، شكل المذلة حين تتسول الحب ممن لا يمنحه لك من تلقاء نفسه.
وقائع الجريمة الثانية
طفل لم يتم عامه العاشر يجر جوالًا من القمامة، تراقبه امرأة ثلاثينية، في أول الأمر تحاول أن تفعل ما تفعله دائمًا حين تشاهد هذا المشهد المتكرر وأطفالًا مختلفين، تحاول التجاهل، مبررة لنفسها ذلك بأنها تحمي نفسها من الوجع، ولكن ما أن تلتقي الأعين، تحبس دموعها وتتحرك ناحيته، تسأله إن كان يحتاج إلى شيء، يشكرها ويرفض إخبارها بأي شيء وهو يخطف نظرات إليها في خجل، تسأله إن كان بحاجة للمساعدة في رفع الجوال، يتدخل أخوه الأكبر معترضًا، تحتضن الصغير في صمت وتعود إلى كرسيها في الكافيه الذي يفرش كراسيه على نفس الرصيف الذي يقف عليه الطفل، يبتعد وهو يتلفّت وراءه وينظر إليها قبل أن يختفي. تتكرر اللقاءات غير المرتب لها بينهما في المكان نفسه، في كل مرة يُركز نظره عليها حتى تلتفت لوجوده، تعرف أنه ينتظر الحضن نفسه الذي لن يحصل عليه في مكان آخر.
نعم يا محمود، المتهم برئ حتى تثبت إدانته
سردنا الوقائع يا محمود، ومعنا من الأدلة ما يكفي لندينهم، لكننا لن نفعل.
بإمكاننا أن نقول إن قلة الأحضان تسببت في إيذائنا معنويًا، فأصبحنا غير صالحين للحب، نتوقع الأسوأ من أي شخص نحبه، وأن الحب يرادفه داخل أرواحنا الألم الشديد، وأننا نكسر كل شيء نحبه قبل أن يكسرنا، فقط لأن مفاصلنا خلخلها الوجع، وأية صفعة مفاجئة سننهار كبناء رائع من الدومينو صنعه طفل أنهكته الطرق التي ينال بها إعجاب والديه، فخرّبه بلمسة أخيه غير المبالي بإعجاب أحد.
وبإمكاننا أن نطالبهم بالتعويض عن كل هذا الضرر أيضًا، لكننا لن نفعل.
فقط سنخبرهم أن الأحضان التي لا يمنحها الأهل لأطفالهم في وقتها، ستجري وراءهم دنيا وآخرة بأسهم من نار
مسلطة إلى قلوبهم القاسية.
The post الأحضان التي لم تمنحونا إياها.. «هتجري وراكم يوم القيامة» appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست