في بداية فيلم «Paterson» تقع في مطب عميق، الفيلم الذي تدور أحداثه في مدينة صغيرة هادئة تحمل نفس اسم الفيلم «باترسون»، بطلاه سائق حافلة عامة يدعى أيضًا «باترسون» وزوجته ربة البيت «لورا»، في البداية نجد باترسون وهو يصعد إلى الحافلة في بداية اليوم، ويجلس على مقعد القيادة، ويخرج دفتر صغيرًا وقلمًا، ويبدأ في كتابة الشعر، يعنون باترسون قصيته بـ«قصيدة حب»، ثم يبدأ الشاب، بسيط الملامح رقيق الحال، في كتابة أبيات بعيدة كل البعد عن الحب، يفاجئ المتفرج أن باترسون يكتب عن مميزات علبة كبريت، أصبح يشتريها هو وزوجته مؤخرًا، وعن جمال العلبة وشكل الكلام المكتوب عليها، وعن صلابة الأعواد وقوة اشتعالها…إلخ.
قد تجد نفسك لحظتها متورطًا في الحكم السريع على هذا الشاب، وقد تقول لنفسك: «وما هو المتوقع من سائق أتوبيس غير ذلك؟ هل من المتوقع مثلًا أن نجده يكتب قصيدة في مستوى أعمال نزار قباني؟» يغلق باترسون دفتره ويبدأ يومه بشكل عادي، وفي أثناء فترة راحته اليومية يخرج الدفتر مرة ثانية، وعندما يعود للمنزل ليلًا يكتب مرة ثالثة، وهنا تكتشف أن ذلك الشاعر استطاع تحويل القصيدة إلى عمل شعري عن الحب فعلًا، واستطاع ربط حديثه عن عيدان الكبريت بمدى حبه لزوجته بشكل غاية في الرهافة والجمال. وقد تجد نفسك تفغر فاهك دهشة، وتقول لنفسك: «ما هذا الذي حدث للتو، كيف تحولت قصيدة كنت أعتقد أن صاحبها معتوه، إلى هذا العمل شديد الجمال والرقة!»
فيلم باترسون هو باختصار لمسة من بلسم شعري ظهر فجأة في عالم السينما الأمريكية بشكل غير متوقع وخارج سياق الأفلام الاستهلاكية مهما كانت رومانسيتها، ومهما كانت شاعريتها، الفيلم شديد الرقة والجمال يصف حياة شخصين من أجمل الأشخاص الذين يمكنك أن تصادفهم في حياتك، السائق «باترسون» يقوم بدوره الممثل آدم دريفر الذي تألق مؤخرًا في فيلم مارتن سكورسيسي Silence، وزوجته «لورا»، الممثلة الإيرانية الأصل جوليشفته فرحاني، الزوجان يعيشان حياة بسيطة، ولكنها مظللة بروح مليئة عن آخرها بالحب، يوقظ باترسون زوجته يوميًا بالقبلات، وتنتظره هي يوميًا بوجبة عشاء مختلفة تتعلمها خصيصًا لتطهيها من أجله. يقرأ لها الشعر الذي يقوم بنظمه وكتابته في دفتره السري الذي لا يطلع عليه أحدًا أبدًا، وتحاول هي أن تقنعه أن ينشر أعماله العظيمة؛ لأنه شاعر عظيم، وتلح عليه أن يقوم بعمل نسخة من الدفتر لتكون أعماله في أمان إذا ما ضاع الدفتر أو تلف.
(تريلر الفيلم)
لورا ليست ربة منزل عادية، إنها فنانة تشكيلية على أعلى مستوى، وقد حولت بيتهم البسيط إلى لوحة فنية بكل ما تعنيه الكلمة؛ مما أضاف للفيلم –الذي يخرجه الأمريكي جيم جارموش، مخرج فيلم بيل موراي Broker Fllowers- لمسات شاعرية بصرية أيضًا، تقوم لورا بالرسم على الستائر، والأرضيات، وخشب المطبخ، وعلى ملابسها، وإطار السيارة، وطوق الكلب.. إلخ. وتستخدم اللونين الأبيض والأسود غالبًا؛ مما أعطى الكادرات البصرية تباينًا بصريًا مثيرًا.
كما تسعى لورا أن تصبح مغنية ولاعبة جيتار، ولكن بأسلوب خاص يناسبها. وفي كل يوم تستيقظ لورا من النوم وتقص على باترسون حلم شاهدته في منامها، تحفز أحلام لورا قدرة باترسون على ملاحظة الحياة اليومية من حوله، وتحويل تلك الملاحظات لأعمال شعرية.
في يوم تستيقظ لورا وتحكي له عن التوأم الذي حلمت به، طوال اليوم لا يجذب انتباه باترسون سوى التوائم الذين يقابلهم في الطريق، وعلى متن الحافلة، وداخل الحانة التي يذهب إليها يومياً. هل كانت تتحقق لمحات من أحلام لورا، أو هل كانت توحي إلى باترسون رسائل ما، أم أن الزوج فقط يستقبل كلام الزوجة فيغمره تمامًا، وبالتالي لا يلاحظ سوى الأشياء المرتبطة به؟ الإجابة على هذا السؤال تعود إليك كمتلقي.
الفيلم ليس له حبكة تقليدية، وإنما هو عبارة عن مجموعة واسعة من المشاهد والمواقف التي يقوم فيها «باترسون» بشكل أساسي بدور الملاحظ، يلاحظ باترسون، يتأثر باترسون، يعبر باترسون، فيخرج شعرًا.. وتخرج زوجته أحلامًا وفنًا.. وتلهمه زوجته فيخرج شعرًا من جديد.. وهكذا في دائرة إبداعية رائعة لا تنتهي.
إذا كنت من محبي الشعر والأعمال التي تتناول الأحاسيس بقدر عالي من الرهافة، أنصحك بمشاهدة Paterson والاستمتاع بوجبة روحانية غنية من المحبة، والتواصل، والتعبير، والفن، والجمال.
The post الشاعرية في أبهى صورها.. عن فيلم «Paterson» appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست