بينما تتراقص هوليوود على لمسات المارمبا في أفلامها الراقصة ويتعالى أزيز الرصاصات في أفلام الجرائم وهمهمات الكائنات الفضائية في أفلام الخيال العلمي يقدم لنا كنيس لونرجان فصلًا من الحياة كما هو. مانشستر طوار البحر ليس فيلمًا بل هو عرض درامي أبعد ما يكون عن التمثيل أو الافتعال حتى في تخير زاوية الفيلم وألوانه؛ حيث جعلها بعيدًا عن الترميز -الأنسب للأفلام الفلسفية- أو التشكيلة الفنية المبهرة –الأنسب للأفلام الراقصة– ليصنع المخرج تصويرًا واقعيًا بسيطـًا ومعبرًا.
الفيلم كتابة يعتمد على القطبيات الشديدة والرائع في الأمر أن قطبي الفيلم بين الشبابية والاجتماعية المطلقة المتمثلة في ابن أخ لي «كيسى أفلك» وهو باترك «لوكس هدجز» وبين لي ذاته الكهل المنغلق الكئيب الصامت الرافض لأي محاولة تقرب من أحد وتدور في هواجسه خطط للانتحار وطاقة كرهه تجاه كل من يبادله النظرات في حانه، قطبانا هنا ليسا متصارعين، إنهم الأقرب والأحوج كل منهما إلى الآخر، وعبر مدة الفيلم التي في طبيعة البناء الكلاسيكي يكون البطل بعد الرحلة قد تحول إلى أحسن صورة «مرحلة التطهر- كما دعاها سوفوكليس» يميل كاتبنا إلى الطبيعة الإنسانية المنطقية أكثر؛ فإن الإنسان هو ذاته ولا يتغير وأن الحياة هي ذاتها؛ فقد يتنازل لي لكي يجري حديثًا طفيفـًا بالاكتفاء بردود بسيطة لمخدومه -في نهاية الفيلم على عكس قمطه المبالغ في مشاهد البداية تجاه المخدومين- وقد يتنازل باترك أن يصطاد مع عمه -الذي نراه في صغره أنه لم يكن ليمكث معه ويتهرب منه في بداية الفيلم على القارب- ولكن ما نراه في أعين كل منهما أنهما ما زالا في مكانهما لم يبرحا. الفتى المتفتح المحبوب سيظل، والكهل المنكوب المحبط سيظل، بينما ما يتغير هو تأهلهما لمراضاة كل منهما الآخر.
ملخص القصة يكمن أن لي بعد أن أخطأ بحرق منزله وحاول أن ينتحر ندمًا على ذلك يقرر أن يرحل من المدينة ليبدأ عمله كسباك في كونزي -المقاربة لمانشستر- نرى أنه يمقت أي تعامل إنساني وأنه يعف عن النساء بعد زوجته، ويرده خبر موت أخيه ويفاجأ ابن أخيه أن عمه هو الوصي عليه. يلاحظ لي سلوك باترك كفتى يحب الحياة ويلعب في باند ويصاحب فتاتين في آن واحد -والذي بالطبع لا يتفق مع طبيعة لي السائمة من الحياة بكل أشكالها، تحاول والدة لي أن تتبناه، ولكن باترك يلاحظ صلابة خطيبها الجديد الدينية- ويطلب خطيبها أن يسأله هو قبلًا إذا عاد إليها مجددًا حتى لا ترجع إلى الخمر ولا إلى ماضيها المضطرب. وتكون التسوية بأن يبقى لي عند أنكل جورج بالتبني، بينما يبقى ويستمر باترك في حياته الوردية ويقنع لي بحياته الزاهدة.
هل الفيلم سرد بهذه الطريقة؟
يلام دائمًا على أي كاتب استعمال الـflash back ولكن في نظري كان كنيث سيلام أكثر إن سرد أحداث الفيلم بترتيب حدوثها في الواقع الزمني، فأي عنصر للتشويق سيرام حتمًا وسيكون الفيلم بالتعبير السطحي «ببلاش» لا يستمتع المشاهد فيه بتعب التخمين واستقراء الشخصية بل إن الحدث – الأقدم من على مستوى الزمن – والمعلل لطبيعة شخصية لي القامطة عرض في فصل الوسط؟
وعلى أن الفيلم سهل تقسيمه لفصول بوضوح شديد «بداية ووسط ونهاية» -تبعًا للبناء الكلاسيكي- يخرج من عالم قديم -فعليًّا حيث كان لي في مكارثي– ليدخل عالمًا جديدًا، عالم المغامرة ولكنه بالنسبة له العالم القديم ذاته! بعلاقته وتشابكاته، ولكنه أيضًا غريب على هذا العالم فكيف؟
فشخصية لي التي صارت بين هذا العصف من العلاقات والأحداث قد ماتت أثناء حادثة الحريق ولي المكسور المنكوب من وقع الحريق الذي ارتكبه في أقرب الناس له زوجته وأولاده هو الآن من يتعامل مع ذلك العالم؛ لذا فهو داخل عالم جديد .
إلا أننا نرى أن الترتيب الداخلي لوضع المشاهد مبدع وذكي؛ فكأن كينس وضع خانة من المشاهد للتعليل جانبًا وكتب الفيلم جملة ثم أدخل الـ flash back بحرفيه وذكاء، وبالطبع واحد منها لا يمكن أن يزال وإلا لن يفهم الفيلم إطلاقًا.
وإن استطلت في الشخصيات القطبية فلا أنكر تمامًا جهد شخصية مثل «راندي شاندلر» زوجة لي، نعم عنيت كلمة جهد؛ فهي مثال لتلك الحبيبة المولعة بزوجها الذي يخاف عليها حتى منه هو ذاته؟ فيقرر أن يتركها وتنتقل هي لتتزوج آخر.
إن لي وراندي شخصيات متطابقة تمامًا وليست قطبية، ولكنها كالكهرباء؛ فالمثيل منه لا يتفق. كلاهما عاشق متيم يخشى على حبيبه من الأذى ولو من نفسه، وكلاهما لا يحسن التعبير أو التصرف ولا يمتلك البيان فتكون النتيجة قلبين مشردين متباعدين، ولو كانت أشباح ذكرياتهم سعيدة ومرة تسيطر على تفكيرهما المذبذب بالفعل، حتى وإن تقدمت راندي خطوة تجاه المكاشفة والمصارحة بأنها حبيبة لي وأنها تريده وتحولت من التجمد والتصلب إلى البكاء، ولكن لي يتمسك بتصلبه وينسحب قبل أن يحول لما حالت إليه! مشهد في غاية الروعة من حيث الحوار والتمثيل.
وبذكر الحوار فإن الملخص فيه أنه المطلوب ذاته واقعي بسيط بعيدًا عن الشعر والتقفيات، الأبعد بالطبع من ألا يناسب أبعاد الشخصيات المرسومة بعناية. إنه من الصعب جدًا الكتابة لشخصية يصعب عليها تخير الألفاظ ! ولكن كنيست فعل ذلك بقوه.
وكنيست كمخرج في أعماله السابقة ليس الأبعد عن الفكر التشكيلي بالخاصة، ولكن اختياره لنوعية العرض والكادرات الواقعية الثابتة – حيث لا يوجد على الإطلاق كادرات متحركة – هو الأنسب والأوفق وفي الأفلام الإنسانية يكثر استعمال الكادرات المقربة من وجه الممثل لرصد انفعالاته، كما في رجل طار فوق عش الوطواط، ولكن الجميل في الأمر أن كينست تجنب هذا أيضًا واستعمل كادرات ملمة متوسطة لكل الممثلين في اللقطة، إلا أنه عاوده تشكيل بسيط هندسي أكثر منه لوحات فنية -لا تتلاءم مع الواقعية- حتى يدفعنا للنظر إلى محور التركيز في المشهد. وابتعاده عن استخدام الكادرات المقربة في تصوري كان لخدمة إيقاع الفيلم البسيط المتمهل -غير الراكد بالطبع- حيث لا ينتقل كثيرًا بين الكادرات الوسط والقريبة فتضاعف السرعة .
وكانت نقاط الـ building tins لدى المونتاج ذكية يمكن أن أتذكر منها مشهد كسر لي لزجاج النافذة ومشهد محاولته أخذ مسدس الشرطي للانتحار. فمن الصعب من خلال كادرات ثابتة أن نفهم أن ما سيحدث سيكون مفجعًا -ففي الكلاشيهات تعلو الموسيقى وتتحرك الكاميرا رأسًا على عقب- ولكن في الفيلم نرى أنه عندما يسرع الانتقال بين الكادرات الثابتة هو نبوءة غضب.
والترميزات أيضًا جاءت ذكية؛ إذ نرى أنه لم يعد بـflash back حينما رأى باترك فرخة مجمدة فتذكر أباه الميت في الثلاجة؛ حيث كان مشهد عرض بالفعل، وهو إن دل يدل على أن الفيلم لا يستسهل في الـflash back، وأيضًا أنه نجح في إيصال الفكرة عبر التمثيل فقط، لا الحوار حتى .
وأنه عندما رأى مانشستر من النافذة وكسر النافذة اتضح لنا كثير مما يضمره لي في قلبه تجاه المدينة.
مدير التصوير أبدى إضاءة واقعية وملائمة للجو النفسي للشخصيات بشكل كبير، إلا أنها لم تتخط حاجز الواقعية؛ فلم يستخدم في مشهد المستشفى إضاءة شحيحة مثلًا لأن المشهد كئيب؛ فمن الطبيعي أن تكون المستشفى منيرة صباحًا، ولكنه استبدل ذلك بمخرج ذكي عبر الألوان حيث كانت الحوائط زرقاء باردة فعلت الأثر النفسي نفسه للضوء الخافت .
والموسيقى المستعملة لباخAdagio in G Minor Albinoni ، علاوة على أن الفيلم يمتلك موسيقى أصلية معبرة جدًا، واستعمال للغناء الأوبرالي. كان معززًا للعمل وخصوصًا أن وقع تلك الموسيقى في الأذن على أنه هارمونيات قائمة بذاتها كأنها مصاحبة بسيطة لمشهد معد مسبقًا، وهذه نقطة مبدعة واختيار ذكي من المخرج؛ فلو أصر أن تكون معززة ومقوية للمجال الانفعالي للمشهد ذاته سيكون الأمر سينمائيًا، وهو عكس المطلوب؛ فالمطلوب هو الواقعية ولا بأس من بعض الموسيقى في الخلفية لا علاقة لها بالحدث؛ فكأنها مثلًا خارجة من مذياع جانبي.
وحتى لا أكرر كلمة واقعية كثيرًا دعنا نضعها أيضًا في سياق اختيار الملابس -الملائمة لذوق الشخصيات وطبائعهم- واهتمام مهندس الديكورات بتفاصيل وضعية الأثاث واختلافه من منزل لآخر؛ فالواقعية حتى في الملابس المتناثرة ومقدار ترتيب الغرف من شخص لآخر وتفاصيل وضع اللوحات التي تضم أفراد عائلة شندلر.
وكلمة الفصل هنا أن Manchester by the Sea من الروائع التي لا يعيبها شيء على الإطلاق، ولو تحدثنا عن نقطة الأهمية الموضوعية -وهو مخرج أي شخص يرى فيلمًا جيدًا ويريد أن يعطيه تقييمًا سيئًا- فإن أهمية الفيلم الموضوعية تكمن في أنه ساعتان من تجربة إنسانية بسيطة تستعرض لك الحياة كما هي، وتدعك تفكر على أي جانب أنت وهل تستحقه؟
The post Manchester by the Sea.. موجة إنسانية تتلاطم بين عوالم هوليوود غير الواقعية appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست