الأربعاء، 29 مارس 2017

ثقفني اون لاين : مفترق فكر!

نحن الذين نبحث عن المعرفة لتكوين ذواتنا وأفكارنا وصناعة الحضارة، نبحث عنها في أعماق ذواتنا متأملين في ذلك ذوات الأشياء الخارجية. لنكتشف عمق الحقائق والمعرفة داخل الذات التي تتجاوز محيط أجسادنا لتحتوي سائر الكون وتتجاوزه إلى عالم آخر بمخيلتها.

الغوص في أعماق الذات والتأمل في ذات الآخرين يعمق الإيمان ويفجر الطاقات ويلهم الأفكار، يحكم العقل في أمور الحياة ويمتص كل الضغوطات والشحنات الزائدة. فتشرق النفس نورًا وتنطلق نحو الحياة ويتحول الحزن إلى فرح والفشل إلى نجاح والحرب إلى سلم وينطلق الخيال ليرسم معالم حياة جديدة هي في الحقيقة جسر عبور إلى حياة الخلود.

الذات العالم الحقائق والأشياء من حولنا واحدة ولكن الأفكار متعددة والبشر مختلفون منتشرون في هذه الأرض الواسعة يتآلفون ويتنافرون متسابقين في الحياة وإليها، الذات الواحدة تعددت بتعددهم والحقائق اختلفت باختلافهم فاختلفت المذاهب والمشارب وتخصصت العلوم والدراسات. فذاك من البشر وذاك من البشر ولكنهما لا يجتمعان، وتلك فكرة وأخرى فكرة ولكنهما لا تتفقان وجميع الأفكار تعددت وتفرقت.

نحن الذين نبحث عن المعرفة في مفترق فكر نبحث هنا وهناك عن شرطة الأفكار وإشارة الاختيار.

أنا وأنت وغيرنا قد نتفق أو نختلف بموجب الأفكار التي تجمعنا أو تفرقنا. ففي أسرة واحدة أو جماعة أو مؤسسة نتفق فتتوحد أهدافنا وأساليبنا وتوجهاتنا فنبدو وكأننا ذات واحدة، لكن كلما توسعت الدائرة التي تجمع مجموعة عددا من الأشخاص كلما ظهرت الاختلافات وتغيرت الأهداف والأساليب والتوجهات وتتحول تدريجيًا إلى خلافات وتصادمات تسعى فيها أفكارنا وأهدافنا إلى إثبات وجودها وتحكيم مكانها وسط كومة متشعبة متفارقة أو متفقة أو تسير على خطوط متوازية لا تلتقي، وهنا تختفي الحقيقة الواضحة تحت غبار ذلك الصراع والنزاع الممتد عبر الزمن منذ أول التاريخ إلى اليوم بين سعي للبقاء وطمع في السيادة المطلقة وحب للبروز والظهور.

هل تغير الحقيقة إذا ظهرت مسار الأفكار وتوحدها أو بعضها؟ هل تجمع تناثر القطع التي فرقتها الأفكار لتعود وحدة المضمون رغم تعدد الأشكال التي تتخذها هذه الحقيقة؟ ما هي ما سرها الذي لو كان ما كان ما كان؟

لما خلق الله عز وجل آدم خلق من ضلعه أمنا حواء وجعلها سكنًا وأنسًا من وحشة الدنيا وفراغ الحياة ثم بدأت سلالة بني آدم في التكاثر والزيادة حتى باتت شعوبًا وقبائل وأممًا متفرقة متشعبة اختلفت منابعها ومشاربها وألوانها وأحجامها وأفكارها وقناعاتها وأرسل الله عز وجل إليها رسلًا تعلمها وتنيرها على كلمة واحدة ومنهج واحد.

الحقائق لم تختلف؛ حقيقة الكون، حقيقة الموت، حقيقة أن أبانا آدم وأمنا حواء، حقيقة أن المطر ينزل على الأرض فينبتها. نقاط مشتركة بين سائر البشر ولكنها للأسف لا تغير من واقع الاختلاف والصراع المنبني على مجموعة من الأفكار، تختلف من فرد إلى آخر ومن جماعة إلى أخرى. الحقائق تجمعنا والأفكار تفرق بيننا لكن مصدر الأفكار وحقيقتها ليس إلا تأملات واستقراءات في حقائق كونية، لماذا إذًا نختلف عندها. هنا على ذاتنا أو ذواتنا أن تفسر لنا حقيقة الاختلاف والتنافر إلى حد الصراعات والحروب الهمجية التي لا تليق بقيم الإنسانية ولا ترتقي لها.

الفكرة التي تتبناها الذات تشكل مبدأ أو منطلقًا في الحياة أي خطًا أحمر يطلق إشارة الإنذار إذا حاولت ذات أخرى تجاوزه أو تغييره فالقسوة واللين مثلًا متناقضان قد لا يجتمعان إذا قسوت على شخص آخر مثلًا فإنك لا تحوز رضاه على هذا التصرف فتجده يرد على قسوتك من منطلقاته اللينة. أي إنه لا يستعمل أسلوبك الناتج عن فكرتك ومبدئك في المواجهة ليس لأنه لا يستطيع تبني هذه الفكرة والطريقة، وإنما لأنه مقتنع من جهته بما يفعله، وهذا وذاك مترتبان على نوعية التنشئة والبيئة التي احتوت كلًا منهما فتجده يبتسم طوعًا أمام قسوتك مثلًا فتشتد أنت بذلك غيظًا وقسوة أكثر، معلنًا ثباتك وإثباتك لما أنت عليه لأن ذاتك شعرت بأن الآخر قد داس على الخط الأحمر، وحاول تجاوزه.

كذلك الحروب بين الشعوب سرت على هذا المسار والعداوة والضغينة والكره والاندفاع إلى الخيانة والخداع والقتال بكل أساليبه وأنواعه وكذلك الخراب والدمار والتخلف. الذات تحاول دائمًا حماية مساحتها الخاصة ومنع الآخرين من التطفل والتسرب إليها وتعكيرها أو تغيير أحكامها وقيمها سواء كانت ذاتًا جماعية أو فردية بالرغم من إمكانية تبني الذات لفكرة ذات أخرى إلا أن إرادة ذلك غير متوفرة. وقد تجد لدى الذات الواحدة كل الأفكار وكل القناعات والأساليب، لكن بعضها يسود على البعض الآخر. من هنا ننقاد إلى إمكانية وحدة الذات عند الجميع لأنها تحتوي على نفس الأفكار ولكنها لحكمة ما في الكون يتغلب بعضها على بعض فتظهر بذلك الاختلافات. يمكن أخذ مثال عن شخصين متفقين في مسألة معينة، تجد أن ذات أحدهما يرحب بالآخر وتفتح له أبواب التعارف وتبادل الأفكار المطروحة، هنا تعلن الذات حالة من الاستقرار والأمان تجاه الذات التي معها لأنها تتوافق وإياها، فتنشأ علاقة ودية منتجة، تخلق نسيجًا جميلًا يتصور لنا في مجموعة من الخصال الجميلة كالسلم والتعايش والمحبة والصداقة وكذلك العمل والإنتاج والتطور.

لذلك علينا أن ننظر وراء كل رد فعل لنعرف حقيقته لربما يخفف ذلك حدة التناقض الآيل إلى المواجهة والاحتدام فالحقيقة أن تلك الذات في مواجهتها لذات أخرى تواجه نفسها وتعلن حالة الطوارئ داخلها لتصارع الأفكار المتناقضة بداخلها ومحاولة السيطرة، بينما تقوم بعكس كل ذلك لما تشعر بوجود حالة توافق وسلام، انظر كيف أن الذات بتعدد الأجسام التي تحتويها والبيئة التي تنتمي إليها واحدة لكنها تختلف باختلاف العناصر المؤثرة فيها – وهو الآتي شرحه – فتواجه نفسها في صورة توحي لها أنها تواجه شكلًا آخر تعده خطرًا عليها فتحمي نفسها منه ولكنها في الحقيقة تحمي نفسها من نفسها فهي تواجه صراع الأفكار بداخلها.

لو عدنا إلى المثال السابق الشخص اللين والشخص القاسي متناقضان على ما يبدو ولا يجتمعان فيبدو أن ذواتنا ليست واحدة وإنما متعددة قال تعالى (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) آل عمران 59، ويقول تعالى (فاستفتهم أهم أشد خلقًا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب) سورة الحجر الآية 26، وقوله تعالى (ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون) الصافات 11، يقول تعالى في سورة الرحمن الآية 14: (خلق الإنسان من صلصال كالفخار).

من عظم آيات الله في خلق آدم الذي جئنا منه جميعًا أن جمع بين جميع أنواع الأتربة على الأرض اللين والقاسي والجاف والرطب وغيره فجئنا من بعده مختلفين باختلاف الأتربة في الأرض واختلاف ألوانها وأنواعها، هذا هو تأثير البيئة الطبيعية على الإنسان بين قاسية ولينة ورطبة وجافة سوداء بيضاء ورمادية، هكذا هم البشر اليوم وهكذا هي حقيقة الاختلاف – اختلاف لا يضر بقدر ما ينفع قال تعالى (وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم). غير أن الذات خلقت أول الأمر واحدة وتستمد أفكارها وفطرتها من ذات واحدة رغم تفرقها وتعددها لأنها أمرت أمرًا واحدًا وهو العبادة والاستخلاف قال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدونِ) وقال (إني جاعل في الأرض خليفة) ثم انتشرت تسعى في الأرض إلى يوم معلوم.

تبدو علاقة الوحدة بالتعدد معقدة في الذات ولكنها حقيقة يستقي منها الإنسان جميع قيم الحياة الجميلة ويتخلص بها من القيم الفاسدة والسلبية في الحياة، الذات بين الحقيقة والفكرة واحدة في حقيقتها متباينة في أفكارها بحيث تسود مجموعة منها على أخرى في كل ذات على حسب المؤثرات المحيطة، فهي تجمع المتناقضات وتصنفها بحكمة إلهية عظيمة تخلق نوعًا من التوازن والتناغم على كوكب الأرض الفسيح، وتخلق نسيجًا متينًا سليمًا بين مقطوعات متفرقة متناثرة -الذات عالم يحتوي العالم الذي هي فيه.

كل الأفكار والأطروحات المذكورة آنفًا تطبع في داخل كل واحد منا مجموعة من القيم والمفاهيم وتخلق رؤية جديدة تساهم في نشر تشكيلة جديدة من القيم الجميلة الراقية بين البشر، التواضع التسامح التعاون التفاهم السلام المحبة الهدوء والرضا وتبني فينا أسلوب تقبل الآخر مهما اختلف عنا لونه وطبعه وشكله لأن صيغة الذات واحدة في حقيقتها متعددة في شكلها وأفكارها، تسمح لنا بالتعايش السلمي بعيدًا عن النزاعات والحروب والاختلافات القاتلة والسلبية. فإذا نفرت من الآخر تذكر أنكما من ذات واحدة وإذا رغبت في القتال والعداء فذلك قتال لنفسك وعداء لها. كذلك إذا فكرت في المحبة والمسالمة والتعاون والتآلف فإن كل ذلك لنفسك وذاتك لأنك أنت هو أنت والآخر هو أنت إلى مدى بعيد ونسبة كبيرة جدًا بإمكانها أن تغير من واقع إلى واقع آخر. كلكم من آدم وآدم من تراب.

The post مفترق فكر! appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست