كثير من الناس يعيشون وقائع مؤلمة مع اختلاف نوع الألم لكل شخص. ولكن في ظل اِنغماس الناس بالشكوى والتذمر من واقعهم الذي يبعِدهم شيئًا فشيئًا عن طموحاتهم وتحقيق أهدافهم في الحياة، لا بد من أن نعلم الأسباب والعوامل التي أدت إلى نشوء هذا الواقع المؤلم لا الهروب منه، وإلا لن نصل إلى الواقع الذي ننشده ونطمح إليه. لأننا حينما نعي وندرك الأسباب التي أدت إلى بروز الألم في واقعنا حينها نحن وصلنا إلى 50% من عملية الانتقال تمامًا إلى الواقع المنشود. ومن هنا لا بد أيضًا أن نعرف كيف يكون التغيير الذي نريده أن يحدث من أجل تحويل الألم إلى أمل.
وبعد التأمل والنظر في واقع الناس، والبحث عن الأسباب والظواهر التي أدت إلى نشوء الواقع المؤلم الذي، كما ذكرت، يختلف نوعه من شخص لآخر ومن أُمة لأخرى. هناك أسباب عديدة بلا شك ولكن لخصتها لكم في سببين رئيسيين وهما:
أولًا: عدم التنبؤ أو توقع المستقبل
ولأن الواقع يشكّل المستقبل، فإن أغلب الذين يعيشون واقعًا مؤلمًا لم يستطيعوا أو بالأحرى لم يحاولوا التنبؤ بالمستقبل. وربما يأتي سائل فيقول: وكيف نتنبأ بالمستقبل وهو في غيب الله سبحانه وتعالى؟ سأقول له: الله سبحانه وتعالى أعطى لنا المشيئة في أن نفكر ونتدبر ونبصر، ومن مقتضيات تدبُرنا وتبصرنا هو التنبؤ بالمستقبل في حدود مشيئتنا وقدراتنا، فنحن لا نعلم الغيب، بل نحن نؤمن به ولا نستبق القدر، ولكن نؤمن به أيضًا. لذلك إيماننا اليقيني بالغيب والقدر يستدعي العمل والتخطيط والبحث عن إستراتيجيات للنهوض بأنفسنا وتغيير واقعنا للأفضل، كما قال الله عز وجل في محكم التنزيل «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون».
ثانيًا: الانشغال بالأمور المهمة والعاجلة عن الأمور المهمة وغير العاجلة
أصبحت جلّ أوقات الناس تتمحور في الأمور المهمة والعاجلة وهي مثل: زيارة صديق، المناسبات والأفراح أو الانتهاء من مهمة في العمل وغيره من تلك الأمور اليومية أو حتى الأسبوعية التي انكبْوا عليها الناس حتى تناسوا الأمور المهمة وغير العاجلة التي هي التخطيط للمستقبل ووضع أهداف بعيدة المدى. لذلك الذين يُهمِلون الأمور المهمة وغير العاجلة هم في مسافة بعيدة جدًا عن تحقيق أهدافهم، وبالتالي عن تغيير واقعهم المؤلم.
تلكمْ هي الأسباب الرئيسية المهمة التي أدت إلى ظهور هذا الواقع المؤلم لأي فرد في المجتمع. وهناك أيضًا مؤشرات أحببت أن أذكرها لكم في هذا المقال، وهي مؤشرات مهمة تشير أنه لا بد على الإنسان أن يغير حياته، وهي كثيرة، ولكن لخصتها لكم في ثلاثة مؤشرات حساسة جدًا وهي:
أولًا: الإحباط
الإحباط هو الشعور باليأس أو عدم المحاولة بطريقة مختلفة سواءً الإحباط من الواقع الذي يعيشه أو من عدم تقدير المجتمع له. وهذا المؤشر يؤكد أنه لا بد على الإنسان أن يغير واقعه أو يغير أسلوبه في التعامل مع هذا الواقع، لأن الإحباط أحد عوامل نشوء الواقع المؤلم.
ثانيًا: الملل والروتين
وسببه هو أن ما فعله بالأمس هو ذاته اليوم وهو ذاته غدًا. هذا الشعور مؤلم جدًا وهو أيضًا أحد عوامل نشوء الألم التي تؤكد على الإنسان أن لا بد من التغيير، والذي يوضح لنا السبب الرئيسي لهذا الألم هو المؤشر الثالث.
ثالثًا: عدم الإنتاجية
وعدم الإنتاجية قادم بشكل أساسي من الملل والروتين بسبب أن الإنسان لا يعيش بإضافة حقيقية في الحياة وهذا يؤدي إلى عدم الإنتاجية. والسبب الرئيسي لعدم الإنتاجية هو أن الإنسان لم يفعّل قدراته، أو أنه يعمل في وظيفة لا تتناسب مع قدراته، أو يدرس تخصصًا لا يتناسب أيضًا مع قدراته؛ لذلك هو يشعر بالملل وعدم الإنتاجية كلاهما.
ولكن في ظل هذه المؤشرات، لا بد أن نعّي أننا لدينا القوة والقدرة على تغيير واقعنا للأفضل، لأن الإنسان لديه القدرات والإمكانيات التي تجعله يغير نفسه وواقعه للأفضل. وهناك شواهد لا حصر لها في التاريخ والعصر الحديث لأناس صنعوا من المحن والمشاكل جملة من المنح التي غيرت حياتهم وحققوا غاياتهم، ونذكر منهم العالم الكبير والفيزيائي العظيم ستيفن هوكينج.
هذا الرجل هو أحد ألمع الفيزيائيين في القرن العشرين الذين تصدّوا لأصعب الأسئلة على مرّ التاريخ: «خلق الكون ومصيره». إلا أن ستيفن هوكينج الذي أصيب بمرض عصبي وهو في الحادية والعشرين من عمره جعله مقعدًا «معاقًا» وجسمه بالكامل عجز تمامًا عن الحركة إلا عقله الذي جعله يتحدى هذا الواقع المؤلم ليدخل التاريخ من أوسع أبوابه، في تحدي الضعف، والصبر، ومقاومة المرض، وإنجاز ما عجز عنه الأصحاء. لذلك يعُتبر ستيفن مثالًا لتحدي الإعاقة والصبر في صراعهِ مع المرض الذي دامَ 47 سنة ومات الفيزيائي العظيم عن عمر ناهز الـ 73 عامًا.
ولكن يظل السؤال قائمًا وهو متى نتغير؟ متى يتغير الناس فعليًا، واحفظوها جيدًا «يتغير الناس حينما يكون ألم البقاء كما نحن بدون تغيير أكبر من ألم التغيير نفسه»، لأن التغيير من متطلباتهِ ترك أمور أو التضحية بها من أجل الحصول على أمور أفضل منها. وهنا يتبادر إلى ذهني سؤال: لماذا ننتظر أن يصبح ألم البقاء كما نحن بدون تغيير أكبر من ألم التغيير لكي نتغير؟! وهذا سببه كما أشرت سابقًا عدم التنبؤ وتوقع المستقبل، لذلك لا بد لنا أن نحيي قدرة التوقع ونفعّلها عن طريق عمل خطط وإستراتيجيات. ومن هذا المنطلق الذي نقوم به بعمل خطة للمستقبل يصبح لدينا توجه ذهني للمستقبل، كما قال نابليون هيل «إن وجود توجه ذهني هو أهم عنصر في علم النجاح». وهذا يقودني إلى أن أُحدثكم بقاعدة لطيفة في التنمية البشرية وهي «حسن» وأريد أن أطبقها في ثنايا هذا المقال. الـ«ح»= حدث، الـ«س»= استجابة، الـ«ن»= نتيجة، الحدث = الواقع المؤلم، والاستجابة = هي استجابتنا للتغيير بوضع خطط وإستراتيجيات، والنتيجة= هي الواقع المنشود.
وبالمناسبة، حتى نصل للواقع المنشود الذي نطمح إليه، لا يتطلب منّا أن نصبح شخصيات مشهورة، أو ذوي منصب عال، أو أصحاب أموال أبدًا، يتطلب فقط أن نكون مؤمنين وملتزمين بالتغيير. وقبل أن أُخبركم عن آلية الانتقال إلى الواقع المنشود، أريد أن أُشير إشارة سريعة إلى أن الذي يصنع التغيير في حياتنا ليس تعلم المزيد والحصول على شهادات ليس ذلك كله، وإنما الذي يغير حياتنا نحو ما نصبو إليه هو «اتخاذ القرارات». واتخاذ القرارات نابعة أصلًا عن إرادتنا الحرة في التغيير، ولهذا أحد العوامل المهمة للمضي قدمًا للوصول لأحلامنا وطموحاتنا هي الإرادة في القرار ويجب أن تكون إرادتنا قوية في التغيير.
ونأتي الآن إلى آلية الانتقال للواقع المنشود، وهي طريقة سهلة، خذ قلمًا وورقة، وهذا يستدعي الجلوس مع ذاتك لتحلل واقعك وتدرسهُ جيدًا؛ لتنتقل فعليًا للواقع الذي تريده.
أولًا: حدد نوع التغيير الذي تريد أن تحدثه
كن محددًا، اسأل نفسك ما التغيير الذي أريد تغييره لكي أنتقل للواقع الذي أريده. وممكن أن يكون التغيير هو تغيير وظيفة، تغييرًا ماليًا أو تخصصًا معينًا أو حتى تغيير على مستوى العلاقات.
ثانيًا: حدد أين أنت الآن وأين تريد أن تكون
اكتب أين أنت الآن، أي ما الواقع المؤلم، حدده بالضبط واكتبه في سطور قليله، وحدد ما الواقع المنشود الذي تريده أو الذي تطمح إليه.
ثالثًا: ضع خطة على الأكثر خمس سنوات
خمس سنوات كافية جدًا للانتقال من واقع إلى واقع معين. لذلك ابدأ بتقسيم هذه الخمس سنوات لخطط سنوية، وقسم كل خطة سنوية لخطط شهرية وأسبوعية ويومية؛ لكي تضع النشاطات اليومية والأسبوعية والشهرية التي لا بد أن تعملها كي تنتقل فعليًا وشيئًا فشيئًا للواقع الذي تريده.
وفي ضوء هذا الآلية هناك عوامل لا بد أن تعيّها لتساعدك في أن تتقدم نحو واقعك المنشود، ولخصتها لكم في أربعة عوامل:
أولًا: الاحتكاك بالمتميزين، الاحتكاك بالمتميزين يساعد الإنسان في أن يستنفر قواه نحو الواقع المنشود، ولأن أيضًا المتميزين ينقلون لنا عدوى النجاح والطموح لا بد لنا أن نحتك بهم ونحيط أنفسنا بهم.
ثانيًا: التفاؤل، هو عنصر أساسي للتغيير من الواقع المؤلم إلى الواقع المنشود، وهو أن ترى في جملة المحن والمشاكل جملة من المنح التي لن يراها إلا أصحاب العقلية المتفائلة، كما ذكرت لكم قصة ستيفن هوكينج الذي يعّد شعلة صنعت من المحن منحًا وحولت اليأس إلى تفاؤل لذلك خلده التاريخ.
ثالثًا: التخطيط، كما أشرت لكم في آلية الانتقال كيف أن التخطيط يساعدنا في نقلنا فعليًا وخطوة بخطوة نحو الحالة المنشودة، وبلا أدنى شك التخطيط يُسهل عملية التغيير.
رابعًا: الصبر، كما قال – صلى الله عليه وسلم-: «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله».
وهذا يقودُني إلى أن أُحسن خاتمة ما بدأت به بمقولة تُجسْد معنى السعي والوصول لأهدافنا لابن عطاء الله السكندري – رحمه الله تعالى- يقول: «ما توقف مطلب أنت طالبه بربك، ولا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك». بمعنى حينما تسعى لأمر معين أو تغيير واقع معين معتمدًا على الله سبحانه وتعالى، ثم على قدراتك وتخطيطك حينها سوف يكون التوفيق حليفك، وإذا حدث العكس، وهي حينما يعتمد الانسان فقط على قدراته وأمواله ومنصبه ليحُدث التغيير سوف يكون التوفيق بعيدًا عنه، وحتى لو صنع النجاح، سوف يكون نجاحًا وهميًا، لذلك لا بد لنا أن نعمل ونسعى لتحقيق غاياتنا؛ ولهذا قال العارفون بالله «الجوارح تعمل والقلوب تتوكل»، والتوكل كل التوكل على الله سبحانه وتعالى.
The post كيف تنتقل من واقع مؤلم إلى واقع منشود؟ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست