لابد وأن شخصًا قد سأل نفسه: هل أصبح منظر الدماء لا يؤثر في؟ لا يقرع باب قلبي؟ لا تذرف دموعي لأجله؟
هل الطفل الذي بانت على وجهه كل علامات الضياع؟ لم يعد قلبي ينكسر لأجله؟ وهل الصوت الذي يخرج من المنكوبين أصبح سماعه سهلًا؟ ماذا عن الرجفة التي تصاحب هذا الصوت؟ ماذا عن التنهيدة التي تلي كل جملة وربما كل كلمة؟ ماذا عن النظرات التي لا تستقر في مكان؟ ماذا عن الأعين التي ملئت بالدموع؟ ماذا عن كل هذا؟ وماذا عنا؟ ماذا عن الإنسان الذي بداخلنا؟ كيف اختفى!
وهل المدن المدمرة بأبنيتها وشوارعها وأحيائها أصبحت لا تعنينا؟ كيف لنا أن ننسى تاريخًا عظيمًا كان لنا بها ومعها؟ كيف استطعنا أن نفرط في ذكريات الأشخاص في هذه المدن؟
وهل دماؤنا رخيصة؟ أم نحن من نسترخصها؟
لماذا لا نرى التضامن العالمي لأجلها؟ لماذا لا نرى أبراج العالم ملونة بألوان أوطاننا؟ ولماذا الجميع يحب النفاق إذا تعلق الأمر بنا؟ ما بها أمتنا! ماذا ينقص دماء هذه الدول حتى يتضامن الجميع معها؟!
ربما سيقول قائل الآن: وهل التضامن الغربي سيعيد لنا الأمن والكرامة؟ كلا، ولكن المسألة تجاوزت مفهوم التضامن؛ لأن ما يحصل الآن هو نفاق، هو تحيز. كيف للمرء – الذي يدعي الإنسانية – أن ينحاز لدماء دون أخرى؟ أو أن يتعاطف مع المنكوب حسب منطقته الجغرافية؟ أو أن يعلن تضامنه وفقًا لمن ارتكب الجريمة؟ ما هذه الإنسانية!
هل دماؤنا غير مرئية؟
نعم، ليست مرئية، ولا أحد يشاهدها، فقط من ينزف هو من يعلم بها، وهو من يعرف الفاعل. أما نحن، فجمعٌ غفير من المتفرجين لهذه الآلام نعلن تضامننا يومًا، وننسى في اليوم التالي أو الذي يليه. وكما قال محمود درويش: تنسى كأنك لم تكن.
تُنسى الدماء وتنسى الأرواح
ينسى الشهداء وينسى الجرحى
ينسى المعتقل ينسى المعذب في السجون
كل شيءٍ ينسى.. إلى أن ننسى الحق.
وبعد هذا نتهم من ينادي بالحق ومن يغامر بروحه وبكل ما يملك – نتهمه – بالخيانة!
عندها أتساءل: هل العيب فينا أم في من حولنا؟ أم أن هذا العيب يشملنا جميعنا! فكيف للإنسان الذي خلق حرًا أن يفضل يومًا من الأيام أن يستظل تحت ظل شخص آخر مثله؟ جميعنا بشر، لا فضل لشخص على آخر، فلماذا نقلل من قيمتنا ومن كرامتنا؟ ولماذا نرفض حريتنا لدرجة أننا لا نستطيع التضامن مع الضحية، إلا إذا سمح لنا جلادها؟ إلى أية درجة انحدرت إنسانيتنا؟
لأنني أؤمن بأن فكر شخص واحد يغير، وإن لم يغير فهو يُسمع، وإن لم يسمع فهو عبارة عن قول الحق حتى وإن لم يكن لهذا الحق صدى حتى وإن رفض، سأقوله وأردده ولأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، ولأن الكتابة نوع من النضال الذي يهابه الكثير؛ سأكتب وأكتب وأوجه قلمي لكل ظالم، حتى يعلم أن على هذا الكوكب شخصًا يرفض ظلمه.
لأجل الأوطان لأجل الأرض ولأجل الإنسان، كتبت ما كتبت.
من هذا المنبر أعلن تضامني الدائم والذي لا تغيره الظروف، ولا تميزه المناطق، والذي لا يعير أي اهتمام لموقع الدولة، ولا للفاعل:
مع كل شهيدٍ في كل بقعة من هذه الأمة
مع كل جريح فقد أحد أعضائه أو أصبح لا يستطيع الحركة
مع كل معتقل في سجون الظلم والظلام
مع كل معذب في هذه السجون
مع كل طفل نسي معنى الطفولة
مع كل امرأة اغتصبت
مع كل رجل حارب في الجبهات وفي الشوارع
مع كل دمعة شيخ كبير
مع كل أرضٍ حزينة
أعلن التضامن مع كل ما هو منسي.
The post هل اعتدنا على الشر؟ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست