الخميس، 2 مارس 2017

ثقفني اون لاين : سنوات الصمت والهتاف

1964

بكل الثقة وبصوت ممتلئ بالكرامة وعزة النفس، وبكل التلقائية واللامبالاة يتحدث، فبالرغم من التركة الثقيلة، بالرغم من الأعداء في الخارج، والخونة المتآمرين الذين هم بالداخل، فالنجاحات غير مسبوقة وتدعو للفخر، يعدد الإنجازات ثم يطمئنن الجماهير أنهم على الطريق الصحيح ما داموا معه، وما داموا على خطى واحدة وراء رجل واحد وطني ومخلص يعلم على وجه اليقين ما يجب أن يفعله، يهنئهم لأنهم شعب عظيم، يبشرهم بالرخاء القادم، ويطالبهم بالمزيد من الصبر، إنه الأب والأخ والرجل الكبير، إنه الزعيم.

1977

فجأة، يقف أحد المواطنين الشرفاء، مواطن بسيط، فلاح أو عامل يقاطع الزعيم بشجاعة وبصوت جهوري يعلو على صوته. يتوقف الزعيم مفسحًا المجال لصوت واحد من الشعب يهتف بكل حرية ومن القلب بحياة الزعيم، وحياة الوطن، ويتوعد أعداء الزعيم الذين هم أيضًا أعداء للوطن، يمتد الحماس إلى فرد آخر في آخر الصفوف ليقوم ليهتف بكلام لا نتبين منه شيئًا لأنه بعيد عن الميكروفونات، لكن القاعة تشتعل كلها بالتصفيق.

1998

ثم تتجول الكاميرا لتنقل لنا الابتسامات اللزجة للجالسين في الصفوف الأولى، حيث تتمايل الرؤوس في اطمئنان أشجار قديمة عميقة الجزور، وعصية على رياح الاقتلاع: قادة الحزب ووزراء ومحافظون ورجال دين ورجال أعمال ومحاربون قدامي وأثرياء جدد ومثقفون وفنانون ومهرجون، إنهم القادة لشبكة متضامنة ذات تسلسل هرمي من المترفين، قادرة على سحق أي بادرة للتغيير، وتتيح بنفوذها وبأبواقها للكذب أن يوطد سلطانه، ولا تستهدف سوى الاستمرارية لعالمها الموازي، فجأة يقف مواطن ثالث استبد به الحماس ذو الإشعال الذاتي ليهتف وتردد وراءه الجماهير الهتاف من جديد.

2010

يحاول الزعيم مواصلة حديثه دون جدوى فالهتاف يتعالى، يكرر آخر كلمتين من آخر جملة رددها قبل أن تتم مقاطعته، يسكت، ما زال الهتاف يدوي، ينظر للأرض في غير تواضع، يبتسم ويحاول أن يكمل حديثه لكنه لا يستطيع فيمد يده لكوب الماء ليفسح المجال بكل كرم لمزيد من الهتاف، في دليل آخر على سعة صدره، وتواضعه أمام الجماهير، وعلى أن كل ما يفعله ما هو إلا تعبير عن إرادة الشعب، يشير بيديه للجماهير أن تصمت، لكن الجماهير لا تفعل وتواصل الهتاف في دليل جديد على مدى الحرية غير المسبوق.

 إنها واحدة من أشهر فقرات سيرك الوطن التعيس، أماكن قليلة ما زالت قادرة على إنتاج مثل هذه المشاهد المنتهية الصلاحية بكل ما تحويه من مهانة، وبما يحمله تكرارها من استخفاف، ففيما عدا التهديد الصريح كل ما قيل كان كذبًا، والجماهير البائسة لم تعد تهتم كثيرًا للأكاذيب التي ألفتها، وهي بدورها حينما تهتف أو تتظاهر بالولاء فهي أيضًا تكذب خوفًا أو نفاقًا، الحرية المزعومة لا تعدو إلا أن تكون خيارًا بين اختيارين: الصمت خوفًا، أو الهتاف نفاقًا، كل من يخالف هذه القاعدة ستتم ملاحقته، ومن يكسر جدار الخوف ويقول الحقيقة سيدفع الثمن.

 رغم الانحدار المستمر والتراجع الذي لا يتوقف، رغم الفشل الذي طال حتى الجرائم غير المتقنة، فالكذب ما زال متربعًا على عرشه، ما زال الكذب يمارس بطريقة ممنهجة وفجة، لا مكان للوقائع الصلبة ولا الوثائق ولا الأرقام، الحقيقة هي الرواية الرسمية، وكل الأحداث توظف من أجل مداراة الفشل وإقصاء أي توجه آخر. الخطاب الرسمي، والهتافات، والنشرات، والبرامج التليفزيونية، وعناوين الصحف، وربما الكلمات نفسها أصبحت كلها أدوات من أجل الخداع والإقصاء، توارت الحقائق، واكتسبت الأكاذيب صيغة رسمية، احتلت الأساطير المسجلة على جدران المعابد وفي كتب التاريخ جانبًا كبيرًا من الذاكرة، ومن الذاكرة تم مسح كل ما هو ممنوع .

 بالتلوين والخداع لا يتم الإبقاء إلا على ما يراد تسويقه من بطولات وإنجازات، وبالقهر والإقصاء تم رسم صورة للوطن تتوسطها أشكال هرمية هائلة هي أعظم شواهد على الطغيان، تمتلئ الصورة بالكهنة والسحرة والجنود، وفيها يسير كل شيء كما النهر: في اتجاه واحد.

 مثلما كان الطمي يترسب في قاع النهر، كان الخوف يتراكم في أعماق البشر وبمرور السنين أصبحت الحكمة المتوارثة هي التزام الصمت إيثارًا للسلامة، أما الأذكياء فتعلموا أن من تتاح له فرصة الهتاف فيجب أن يقتنص فرصته، أصبح النجاح هو الدخول في زمرة المدّاحين، وحملة المباخر، والاقتراب من أصحاب الصف الأول المدعوين على كل الموائد.

 أن تعيش بلا كرامة، وأن تدرك أن للحرية ثمنًا لا تقدر عليه، أن تنخفض قيمتك أمام ذاتك، أن تكون الحقائق كلها أقسى من أن تحتمل، فلا راحة إلا في التغافل، ولا مفر من خداع النفس، هكذا يرتاح الناس للكذب عندما تصبح الحقيقة ثقيلة عليهم ومرادفة للهوان، هكذا أصبح الناس سماعين للكذب، وهكذا ترعرعت الأكاذيب في هذا الوادي، ووجدت الأساطير مأوى لها.

 الأغلبية البائسة الصامتة الذين تضخمت لديهم مشاعر العجز والقلق، لم يجدوا الأمن النفسي إلا في التماهي مع المستبد بتصديقه، وتأييده، والالتفاف حوله، والنفور من الانقسام، وفتنته، وما يتبعه من عقاب، ثم الكراهية الشديدة للآخر المتمرد المسبب للمشاكل، والمثير للألم النفسي بتميزه وعدم خضوعه، والترحيب بتهميشه وقمعه؛ بل ومحوه، الخاضعون المقهورون يرحبون دائمًا بإقصاء وتغييب الآخر، ويرتاحون للعيش خاضعين لسلطان واحد هو بديلهم الوحيد عن الفوضى والضياع، في هذا الوادي رحبت الأغلبية بالانسحاق التام؛ فأصبح إنسان متوسط الذكاء يجمع بين الجهل والغرور إلهًا.

 بتغييب الآخر المغضوب عليه وإخراجه من الصورة الرسمية الوحيدة والمعتمدة، قد يبدو الوطن وكأنه كيان واحد، لكنه سيظل كيانًا مصطنعًا وضعيفًا، في الكيانات الأكثر نضجًا، والتي عبرت عصور الانحطاط، تعلم الناس أن يتحملوا الخلاف بمسئولية، تعلم الناس أنه لا كرامة بدون حرية، ولا حرية بدون التغلب على الخوف من الانقسام، وعلى الرغبة الهستيرية في إقصاء المختلف.

2017

في مكان ما كانت سيارة الترحيلات تسير ببطء وسط زحام المرور، تصاعد منها هتاف مختلف تمامًا، توقف المارة مندهشين، وسائقو السيارات التفوا برؤوسهم باحثين عن مصدر الصوت الذي كان مختفيًا بداخل ظلام كائن وراء نافذة حديدية، كان الهتاف من القوة والغرابة بحيث أنه جذب انتباه كل من سمعه، ورغم الضوضاء إلا أنه بدا في غاية الوضوح، قليلون شعروا كما لو أن الهتاف لمس شيئًا ما بداخلهم كذكرى بعيدة أو كحلم ضبابي تم نسيانه فور الاستيقاظ، مع ابتعاد السيارة في الشوارع المنهكة ابتعد الصوت تدريجيًّا، وتابع الناس ما يفعلونه يوميًّا، تابع الناس ليلهم الطويل وهم محجوبون بستائر الغفلة عن الحياة الحقيقية، تابع الناس معاناتهم وشقاءهم وهم مقيدون بحبال غير مرئية منسوجة من خيوط الخوف.

The post سنوات الصمت والهتاف appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست