كيف حوَّل البشر التكنولوجيا إلى وحشٍ يلتهمهم وكل من يقربها؟ حادت تلك التكنولوجيا عن هدفها الأساس وهو إفادة البشر بشكلٍ أو بآخر وأصبحت وسيلةً لتفرقةِ الأهل والأصدقاء.
يبدو المثال الأبرز عن هذا المفهوم هو مواقع التواصل الاجتماعي فَيأتي في المرحلةِ الأولى المزج بين ما هو واقعي وما هو افتراضي فَيحدث ذلك التشويش فَلا تعُود تعلم أيهم الحقيقي وأيهم هو الوهم، ثم تبدأ المرحلة الثانية حيث يبدأ العالم الافتراضي بالظهورِ وكأنه حقيقيٌّ ويبدأ بالتحوّلِ إلى عالمك الوحيد!
في بادئ الأمر بدا كل شيء مثاليًّا فَنحن الآن نستطيع التواصل بشكلٍ أسرع وأبسط، يمكننا مراسلة أحد الأصدقاء برسالةٍ صغيرة فحواها عظيم فقط في بضعِ ثوانٍ وحتى يمكننا الاطمئنان من حين لآخر على بعض الأقارب بذات الكبسة – كبسة زر الإرسال -.
الأمر بات أسهل من السابق بكثير ولا يُكلف شيئًا بالمرة. لكن الحياة في مواقعِ التواصلِ الاجتماعي ذات الطابع الافتراضي ليست ورديةً كما تبدو أو بالأحرى كما ظهرت في بدايتها.
بازدياد صيت مواقع التواصل الاجتماعي لَم تَعُد استخداماتها مفيدةً كما كانت، لكنها تحوّلت إلى احتياجٍ يومي لا يَخلو يومك منه ولا يَقل أهميةً عن طعامك أو شرابك!
فَتبدأُ أنت يا صاحب بضعة حسابات على هذه المواقع بالالتصاقِ في هذا العالم الافتراضي لساعاتٍ طويلة لا تُعَد حتى تنسى من حولك في الواقع أو تنسى أن هناك واقعًا من الأساس، فَتنقلب حياتك رأسًا على عقب وتفقدُ شيىًا من عقلك في التيه داخل الوهم.
تهانينا، أنت الآن من مُدمني أفيون العالم الافتراضي! هذه هي المرحلة التي يصعب عليك فيها ترك حياتك الافتراضية فَأنت هناك تستطيع الحديث كيفما تشاء ويمكنك الظهور بتلك الشخصية المثالية التي يلتف حولها الجميع والتي حرمك الواقع من الظهور بها، هنا حيث تستطيع التسابق على عدد الإعجابات والتعليقات الزائفة التي كلما زادت كَسبت أنت الشهرةَ أكثر. ويُفتح من هنا بابٌ آخر لَم تَحسب حسابه يومَ أدمنت هذا التواصل غير الحقيقي.
يتحوّل احتياجك لمواقع التواصل الاجتماعي من احتياجٍ للتواصل إلى احتياجٍ للظهور، رغبةً وحُبًّا في الشهرةِ فقط فَتبدأُ يوميًا بل كل ساعةٍ ولحظة بتَفَقُدِ التعليقات وعدد المعجبين والمتابعين.
يبدو أن ما وصلت إليه هو نوعٌ من عدم الاتزان العقلي فَأنت الآن لا تريد إلا شيئًا واحدًا وهو أن تكون مشهورًا وأن يتحدثَ عنك فُلان وفُلان ويعرف عنك العالم الأخبار بسرعةِ البرق، كيف لا يتحدث عنك الجميع؟ لكن تمهّل، لَم يخطر ببالك أن كل هذه الشهرة افتراضية ولا شيء منها حقيقي؟ لَم يلفت نظرك أن هذا العالم بذاته هو افتراضٌ لا يأتي إلى واقعك أبدًا؟
دعنا نُفكر في الأمر بجديةٍ أكثر، ماذا لو اختفى كل هذا؟ ماذا سَيحدث لك حينها؟ حتمًا سَتنهار لأنك سَتصطدمُ بالواقعِ مرةً أخرى لتجد أن تلك الشخصيةِ المثالية التي اختلقتها ليست من واقعك أصلًا!
أيُعجبك حالك الذي لا يستقيم أبدًا كَسابقِ عهده؟ لَم تسأم أصوات الإشعارات المستفزة التي تُثير التوتر؟ لماذا لا تترك كل هذا والآن في هذه اللحظة؟ فقط امنح نفسك المساحة المطلوبة بعيدًا عن ضغوطاتِ هذا العالم الخيالي واسمح لنفسك بالاختلاط بواقعك، قابل بعض الأصدقاء أو بعض الأقارب رُبما واترك هذا العالم قليلًا.
بطبيعةِ حال البشر كلٌ منا يحتاج مساحته الشخصية لينعزلَ فيها عن هذا العالم أجمع مُبتعدًا عن واقعِه قليلًا، فَكيف بنا ونحن على هذه الحال لا نعلمُ لنا واقعًا من خيال؟ ألا تحتاجُ نُفوسنا راحةً من تلك الضغوط التي لا حصر لها؟
لو تركت كل حساباتِك لأسبوعٍ أو أسبوعين على الأقل سَتشعرُ حينها أن رُوحك قد عادت إليك وأن عقلك أصبح سليمًا فضلًا عن شعورك بكثرةِ الوقت الذي لطالما أضعته في اللاشيء. يمكنك الآن أن تتفرغ للقراءة وللاهتمام بدراستِك – سَتجدها ممتعة – ويمكنك اكتشاف موهبة ما مُخبأة في إحدى غُرفِ عقلك الذي لا يعمل منذ وقتٍ طويل.
هل تصبح العُزلة حلًا لما وصلت إليه؟ العُزلة عن شُهرتك ومتابعيك الأعزاء وعن كل حساباتِك الوهمية – حياتك الافتراضية – بالطبع، هل تكون عودتك للواقع بمثابة أُنبوب الأكسجين الذي يَضخ داخل رئتيك الحياة من جديد؟ بالتأكيد ييدو هذا منطقيًّا جدًا ويبدو أن اللجوء للواقع هو الحل الأمثل لكل هذه الكوارث المُدمية التي أحدثت أضرارًا بشعة في نفسك من تشتيتٍ وتيه إلى بكاءٍ واختناق دون أسبابٍ تُذكر. اختلاطك بالبشر في عالمٍ حقيقي أصبح الآن ضروريًا لأنك لا محالة عليك أن تُفرق بين ما هو واقعي وما هو خيالي لأنهما عالمان لا يمتزجان فَإما أن تعيشَ هنا أو هناك لكن أن تَغرِقَ فيما بينهما سَيفسد عليك حياتك حتمًا.
اتخاذ هذا القرار بتركِ هذه الشهرة المصطنعة لعدةِ أيامٍ والبدء في تنظيمٍ بسيط لكل هذا الوقت المُلقى في سلةِ المُهملات سَيجعل إدراكك كاملًا بأن الواقع والافتراض يحتاجان للوجودِ معًا لكن بتناسبٍ إن اختلَ خُسِفت بحياتك الأرض، فَأنت في حاجةٍ لأن تكون موجودًا ولك أقدامٌ راسخة على أرضِ الواقع مع قليلٍ من الدخولِ إلى الافتراضية المُتمثلة في مواقع التواصل الاجتماعي.
عُزلتك الآن ما هي إلا زيارة لغرفةِ الإنعاش حتى تُنعش عقلك مانعًا إياه من الضلال بين العالمين واقعك وافتراضيتك،
عُزلتك هي الحل!
The post مواقع التواصل الاجتماعي: بين واقعي وافتراضيتي العُزلة هي الحل! appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست