الأربعاء، 29 مارس 2017

ثقفني اون لاين : حروف مُنمقة تحيي أثرًا

منذ آخر مرة أرهقت فيها من كثرة الحديث، من الشرح المفصل والحديث المنمق والمشاعر الزائفة، قررت أن أمارس تلك الهواية التي أجد نفسي بداخلها، ربما لست بارعة بالقدر الكافي ولكني أحب الكتابة، أحبها لأني أجد نفسي التائهة فيها، أجد روحي الفقيدة في حرب التداول الدائمة وعقلي الذي انهار في المعارك الكثيرة ومحاولات إيصال الأفكار الدائرة التي أؤمن بها، الكتابة تخفف عنك كل ذلك، فبكل بساطة هي لا تجعلك تدخل في ذلك الجدال الذي سيثار حتمًا حين يجدون أفكارك مغايرة ومبادئك تعاكسهم، سيتحدثون حتمًا ولكن ليس معك، ربما من ورائك وهذا لا يعني كثيرًا بالنسبة لشخص قرر التخلي عن المراء.

الكتابة هي ذلك المتنفس والروح التي أجد فيها مستراحي بعد عبء اليوم، تساعدني كثيرًا أن أفرغ غضبي وشدة سعادتي حين لا يتاح لي الظرف في الانهماك بشدة، تأخذني على تقلبي دون عتابي.

أراها الفكرة التي لا تموت والقضية التي لا تندثر بالتقادم، لا تسقط عنها الهوية حين تختفي كل الآثار.

أكتب لأن صوتي ليس عاليًا بالقدر الكافي لأحيا في مجتمع تعلو فيه الأصوات والخطى وأرى خطايا ليست بالعمق الذي يترك الأثر، فتلك محاولاتي لأكون حيًّا هاهنا، كُلٌ يترك أثره بما يحب ويرجو وأنا أحب قلمي، أحبه لأنه أنا حين أغيب، حين أنطوي في كهفي يُظهرني رغمًا عني، أدافع بقوة المحارب به عن فكرتي.

تعلمت منه أنهم يخافون قلمك وصوتك فإن لم تستطع الإعلاء بصوتك فليكن قلمك عليهم حُجة، يرعبهم صريره لأنه يكشف عورات النفوس ويُظهر آفات باطنهم، أن كل حرف هو عليهم كالبرق والصاعقة، تعلمت أن الأموات يتركون من خلفهم ميراثًا عظيمًا إن قيدوا مشاعرهم بالحرف والفاصلة، وأن العلم صيد والكتابة قيدُه، وأن الدنيا تطير وقفصها جمع النقاط ووضعها.

بكاء الحروف يجدي ويصرخ من وجع صاحبه وعين الكلم تلمع من سعادة رجُلِه، الأرض تبلع الماء ولا تمتص العبارات، فتظل وحدها على الأرض تنير حين تُمسح كل الآثار وتنطفئ كل الأنوار.

أُقيد الحرف لأني أخاف الرحيل أبدًا والموت بين راحتي إيابًا وذهابًا دون أن أترك ذلك الأثر الذي تمنيته يومًا، هي زادي ومرتحلي، أقيد خطواتي الخفيفة لأصقلها بالحرف، أسجل شعوري لأني مررت بالكثير منه وأخاف أن أفقده في غمرة الانهماك بالحياة، أكتب لأن الصالحين يقرؤون كثيرًا فتصيب كتاباتي عين أحدهم فأكون قد نلت ريحًا من طيبهم، أكتب لأن هذا ربط بيني وبين من ارتضيت لي قدوة منهم، لأنه يذكرني بهم ويلفتني إلى الطريق حين أفتقد آثاره، لأني رأيتهم يكتبون ويدهم مغللة بالسلاسل فما استطاع القيد منعهم، نطق حرفهم حين كتموا أصواتهم، فكان دليلًا على أن أثر القلم يبقى حين يفنى الجسد، القصاصات يتناثر عبيرها، والأرض تنفث خبثها.

رأيتهم والمشانق أمامهم يدفعونها بأقلامهم، رأيت مداد دمائهم يكتب على الأرض أنهم أحياء وباقون بذلك الأثر ما بقيت تلك الأرض، حينها فقط تمسكت بقصاصاتي، بأوراقي المبعثرة وحديثي المنمق وخبأتها في صندوقي الصغير وكتبت عليه من الخارج «ذاك أثري فأحيوه بينكم».

The post حروف مُنمقة تحيي أثرًا appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست