الأربعاء، 29 مارس 2017

ثقفني اون لاين : كابوس السياسة يصطدم بأحلامي الثورية

شوارعنا دائمًا كئيبة؛ ليس لشكلها المثير للشفقة بسبب الازدحام أو سوء الرصف أو القمامة فكلها بالنسبة لي مشاكل سطحية إذا ما تمت مقارنتها بما تحمله بطونها من حزنٍ وأسى.

كنت في إحدى المرات متجهًا للقاء أحد أصدقائي على مقهى من مقاهي الفيوم، وكعادتي استغللت الطريق في متابعة أحوال الناس والاستماع إلى حكاياتهم التي أحيانًا أعرفها بمجرد النظر إلى وجوههم في الشوارع، توقفت عند أحد المحلات لأشتري شيئًا، فدار بجواري هذا الحوار الذي ما زلت أتذكر تفاصيله حتى الآن:

طفل وطفلة يبدو على هيئتهم أنهم من أطفال الشوارع، الطفلة تجلس على الأرض تنتحب من شدة البكاء فيضمها الطفل الآخر الذى يبدو عليه أنه يكبرها سنًا بقليل، الفتاة أثناء البكاء المتقطع تقول له إنها لم تأكل شيئًا منذ يومين لأنَّ المرأة المسئولة عن تشغيلها في الشارع متسولةً تستولي على جميع ما تحصل عليه، وأنها من شدة الجوع اليوم لم تستطع المضي في عملها لكسب بعض المال من التسول، وتخاف أن ترجع للمرأة مرةً أخرى دون المال وإلا عاقبتها بتقديمها لأحد الرجال من راغبي المتعة الجنسية مقابل المال وهو شيء يؤلمها جدًا جسديًا، وأكملت نحيبها بينما الطفل الآخر – الذي فهمت من سياق الكلام أنه أخوها الأكبر – يحاول حبس دموعه بصعوبة وهو يقوم باحتضانها وتهدئتها ببعض الكلمات العاطفية، تسمّرت مكاني للحظاتٍ وأنا أستمع، لم أغادر مكاني لبعض الوقت حتى بعد أن انتهيت من الشراء، رحل الطفلان من أمامي قبل أن تفيق أفكاري من التشويش.

ذهبت لصديقي الذي طال انتظاره بسبب تأخري، لاحظ أنني في حال غير طبيعية هذا اليوم لكنني لم أكن أريد مشاركته قصتي لسببين: أولهما أنني أفضل أن أحتفظ بمثل تلك القصص التعيسة لنفسي فلا أشعر بالذنب تجاه من حولي، والسبب الثاني وهو الأهم أنني أتجنب الرد الذي يمكن أن يجعلني أستشيط غضبًا (وأنت مالك؟ هم من بقية أهلك؟).

عدت بعدها إلى المنزل وأنا أفكر كثيرًا في تلك القصة التي تمتلئ شوارعنا بمثيلاتها، كنت من قبل قد سمعت عن قصص مشابهة لتلك ولكن لم أكن أتصور أن سردها من قبل أبطالها سوف يُشعرني بهذا الأسى.

عاتبت نفسي كثيرًا وكأنني طرف في تلك المعادلة، فكرت مع نفسي كثيرًا في الطريق الذي يجب أن أسلكه حتى لا أشعر بالذنب كلما وقعت عيناي على أمثال هذين، فكرت في تقديم عونٍ مادي لأمثال تلك الحالات أو التطوع في إحدى الجمعيات الخيرية ولكن لم أكن أجد جدوى من تلك الأعمال فبالرغم من تقديمها يد العون للعديد من الناس بأشكالٍ مختلفة إلا أنها تظل من وجهة نظري مسكنات ليست هي الحل الذي أبحث عنه، كان هذا التفكير هو بداية طريقي إلى العالم المرعب (عالم السياسة).

عندما قامت الثورة كنت لا أزال وقتها طالبًا بالصف الثاني الإعدادي، رغم ذلك كان لدي حد أدنى من الوعي كي أستوعب شعاراتها وأهدافها التي وجدت نفسي مؤمنًا بها من أعماق قلبي، كانت الشعارات المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والقضاء على الفقر وتقديم الحد الأدنى من معطيات الحياة الآدمية للمواطنين تعني بالنسبة لي أن هناك أملًا في يوم من الأيام أن تنتهي معاناة العديد من أمثال هذين الطفلين، لحقت بركب الثورة مبتهجًا بما قدمته لنا من أمل، بعد تنحي مبارك اعتقدت كالعديد من الناس أننا على أعتاب النهاية أننا بالطبع سنتجه بكل بساطة إلى (الوطن الجديد) الذي حلمنا به، صدمني أحد مشاهير السياسة في برنامج تلفزيوني بقوله إننا على أعتاب البدايات وأن مرحلة الثورة انتهت والتعويل الفترة القادمة على مرحلة السياسة التي ستحدد شكل وأيديولوجية الدولة في الفترة المقبلة، لم أكن أفهم أغلب كلام السياسيين بالطبع لكنني كنت حريصًا على متابعة الأخبار وحضور الندوات والمؤتمرات بأنواعها محاولًا استيعاب أبعاد هذا الطريق. كنت دائمًا ما أتساءل لماذا الأمر بهذه الصعوبة ألم نحلم جميعنا بدولةٍ تحترم حقوقنا! ألا نؤمن جميعًا بأننا نريد دولة عادلة نجد فيها جميعًا حقنا في الحصول على الحياة!

لماذا إذن كل هذا التعقيد؟

ولماذا السياسة أصلًا إذا كانت بهذا التعقيد؟

نقائي الثوري في هذا الوقت وجهلي بالتاريخ والعلوم الإنسانية أعماني عن رؤية ما نحن بصدده، بدأت بعد وقت قصير أعي أنه لكي تتحول هذه الأحلام إلى واقع لابد من السياسة لابد من رئيس وبرلمان وحكومة يتبنون هذه الشعارات في شكل قوانين قابلة للتطبيق.

عاد كل شخص منا إلى معسكره الذي ينتمي له فكريًا فبعضنا وجد مكانه بين الإخوان المسلمين، والآخر بين الاشتراكيين الثوريين، وآخرون أغلبهم من أبناء الجيل القديم استمروا في التمسك بأفكار الدولة البيروقراطية التي يمثلها الحاكم العسكري المحبب لهم، وغيرهم سلكوا اتجاهات أخرى مختلفة، لكن بالطبع القطاع الأكبر من المشاركين في الثورة اعتقدوا أن دورهم انتهى بترك الميادين، وبالتالي لم يكن لهم مكان بين تلك القطاعات، وقتها لم أكن أعلم من أنا وسط كل هؤلاء أتذكر حتى أنني رافقت في إحدى المرات أحد أصدقائي إلى مقهى في الفيوم عرَّفني على أحد الشباب الذي ينتمي لحركة الاشتراكيين الثوريين الذين ينتمون لأفكار كارل ماركس، سألني عن انتمائي فقلت له إني لا أعلم بالتحديد ماذا تمثل كل أيديولوجية حتى أخبرك عن انتمائي، سألني عدة أسئلة عن رأيي في بعض القضايا السياسية والاقتصادية ثم قال لي إن إجاباتي تدل بكل تأكيد أنني أميل بشدة إلى الاشتراكية، لم أهتم وقتها بكل هذا التعقيد الفكري، ولم يكن يشغل بالي وقتها المسمى الفكري الذي أنتمي إليه فكل ما أعرفه أنني مؤمن ببعض الأفكار، وأمارس السياسة من أجل أن تصل تلك الأفكار إلى الحكم.

بعدها تعاقبت التغييرات السياسية المختلفة؛ دساتير واستفتاءات وانتخابات ومرشحون، برامج وشعارات وأحزاب، تظاهرات والعديد والعديد من الأحداث المتعاقبة التي التحمت بها بشكل شخصي وأثرت في نظرتي للحياة بشكل عام وأعادت تشكيل شخصيتي، و مع دخولي هذا العالم بدأت تدريجيًا أنسى أصلًا لماذا قررت أن أرمي بنفسي هنا؟

منذ البداية وجدت روحي منهكة بين دماء وصراعات ما زلت حتى الآن لا أفهم لها معنى ولم أجد لها نتيجة، أعترف أنني ما زلت أعاني حتى الآن من تأثير ما شاهدته.

 أصبحت أكره شكل الدم حتى عندما يسيل من الحيوانات، وأصبت في فترة من الفترات بنوبات متتابعة من البكاء الهستيري مع الارتعاش بلا سبب محدد، حاولت أن أخضع للعلاج النفسي بشكلٍ سري لكنني فشلت، نصحني بعض أصدقائي المقربين بممارسة بعض الأنشطة المحببة وأخذ استراحة قصيرة من حشر نفسي داخل هذه المعارك التي اكتشفت بعد هذه السنوات القصيرة أنها كانت معارك وهمية عديمة القيمة أمام الطريق الحقيقي الذي كان يمكننا سلوكه من البداية وتجنب كل هذه المهاترات عديمة الفائدة.

تغيرت أفكاري كثيرًا منذ يناير 2011 حتى الآن، رغم كل ما مررنا به حتى هذه اللحظة إلا أنني ما زلت مؤمنًا أن إصلاحات طفيفة في منظومة التيار المدني والتخلي عن الخلافات السطحية والسعي للوصول لتوافق على أهداف محددة وبرنامج وفكر واضح سيدفعنا قُدمًا لتحقيق الحلم الذي تمنيناه كثيرًا في الماضي ودفعنا ثمنه غاليًا.

الحل كان دائمًا بين أيدينا لكننا اخترنا أن نسعى بعيدًا عنه، ابتعدنا عن الشارع وتعالينا على الجمهور باسم الثقافة حتى استطاع أنصار الثورة المضادة النيل منا بما يملكونه من إعلام وأموال ومنظومات أمنية، الأحزاب المدنية انجرفت نحو معارك داخلية لا قيمة لها على الإطلاق، وتركت الساحة لأنظمة استبدادية تعبث بمصائر الناس وتزيدهم فقرًا وجوعًا، تفرغنا نحن لوصف الآخرين بأنهم تابعون للأمن أو بالمراهقين السياسيين لمجرد اختلافات بسيطة في وجهات النظر، ثم نأتي في النهاية ونطلق على أنفسنا ليبراليين ونطالب الآخرين باحترام حرية التعبير التي نهدرها نحن يوميًا بين بعضنا البعض.

إذا لم نستطع تقديم بديل قوي مقنع للناس، وصممنا على تقديم مجموعة من الشعارات التي عفا عليها الزمن وملَ المواطن البسيط من سماعها فسنظل ندور في نفس الدائرة المفرغة بين الاستبداد العسكري والاستبداد الديني.

الثورة فعل من أجل السعادة، شاركت في الثورة لأنني تمنيت أن أرى طفلين سعداء، وبعدها تمنيت أن أرى المجتمع كله سعيدًا لأن هذا سيجعلني سعيدًا.

علينا أن نفخر بهذا الفعل النقي المستمر حتى نجاحه، ادعموا الثورة بكلماتكم، بأفلامكم، أو أغانيكم لا تجعلوهم يزوّروا التاريخ، وآمنوا جيدًا بأنها قد تنتكس ولكنها لا تهزم، وقريبًا كما قالها جورج أورويل في روايته 1984 «سنلتقي يومًا ما في مكان لا ظلام فيه»، ولكن هذه المرة لن يكون هذا المكان هو سجون تعذيب الأمن الوطني.

The post كابوس السياسة يصطدم بأحلامي الثورية appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست