الأربعاء، 29 مارس 2017

ثقفني اون لاين : «وارززات»: إياك أعني.. واسمعي يا مدينة!

أنت الآن في وارززات، تشم رائحة الماء والظل، وتلسع شمس الصباح أكتافك، تستغني عن التاكسي، وتمشي طويلًا فوق هذا الأسفلت، دون أن تشعر برغبتك المعتادة في التأفف ولعن التعب. هذه المدينة بكامل هويتها، دون نقصان، وأنت حظها.

أذكر تمامًا كل تفاصيل سفري إلى وارززات، في مثل هذا الشهر قبل سنتين، أي في منتهى آذار، كانت المناسبة ملتقى للمسرح، أذكر أن الفرقة، التي كنتُ أنتمي إليها وقتها، شاركت بمسرحية بعنوان: مدينة الجماجم، كنتُ مهتمًا بجانب الدعاية والإعلام للفرقة؛ مما جعلني أقضي وقتًا كثيرًا بعيدًا عن أجواء التدريب والاستعدادات للفرقة، كان لديّ هامش من الوقت الحر، كنت أستغله في اكتشاف معالم مدينةٍ، كلفني الوصول إليها سبع ساعات وحافلتين، وممرّا لولبيًا في قمم الجبال السامقة، كممرّ تيشكا.

شيءٌ ما غير عاديّ بالبتة، يميز هذه المدينة. هكذا يعتريك الانطباع الأول، وأنت تدخل هذه المدينة التي توجد في الجنوب الشرقي للمغرب، والتي لا تنزل درجة حرارتها الدنيا عن 24°، في أوج القرّ، ورطوبة تصل 9°، ينتابك إحساس فطري، أن كل شيء هنا طبيعي، وأصيل، واغترابك في هذه المدينة، يجعلك تعرف أنك أنت المغترب عن ذاتك، لأنك بكل بساطة تعيش بمسافة كبيرة بينك وبين ذاتك.

حتى لو كنتَ منغلقا، متقوقعًا على ذاتك، مصابًا باللاحياة، ستجد نفسك بتلقائية ترغب في اقتسام الحديث مع كل عابر أو جليس مقهىً، أو قد تُومئ بملامحك دون أن تقصد ذلك، قد تكتشف في لحظة انتباهك أنك تبتسم، وأن شيئًا في داخلك يتبدد، كالقلق، كالخوف، كالتعب، كالملل، ككل هذه الترسبات التي تتسلل إلينا دون انتباه، تصيبنا بها الأماكن الأخرى، والمدن الأخرى، والناس الآخرين، في وارززات؛ أنت أنتَ دون أن تنتبه، متصالحًا مع كل المتناقضات من حولك، واحدًا من هذا الكل؛ الذي يكاد يكون طقسًا مقدسًا وخاصًا بهذه المدينة.

ليست مدينةً للسينما، ولا عاصمة لها، ليس عدلًا أن نطلق على كل هذا الجمال هذا الوابل من التصنيفات والمسميات، هذا الجمال الذي تنضح به هذه المدينة السمراء الساحرة، كفيل أن تكون هذه البقعة – التي تقبع خلف أحزمة جبال الأطلس الكبير- قطعة أرض فريدة، وساحرة في زمنها ومكانها المنفلتين.

السينما مهنة، وسلاح لمن يمتلك مالًا، يراهن على أيديولوجيته، بكثير من المكر والخداع، يخترع حروبًا وهمية ليشرعن حربه على انتصارات الآخرين.

في وارززات، ينتصر الفرد على ذاته في حرب لطيفة ووديعة، كي يدخل منتشيا في يوميات المدينة والجماعة، ولا خسارة فيها، إلا إذا خرجت منها، دون أن تصادف امرأة تغرس أهدابها في قلبك.

الحب في وارززات، كطواف القدوم حول الكعبة، لابد أن تصاب بلحظة سهو وخشوع، من هول المكان أو من صدفة عابر آخر، شاء الزمن، أن يوحدكما في مساءٍ خلق لكما، وحدكما، كي يستفز في سهوكما سؤال الوجود من حولكما، وينتبه الغريب فيك إلى الغريبة فيها، ويقول لها: أهذه أنتِ؟ وتردّ عليه: انتظرتُك طويلا، وضيّعت عليّ تصفيف شعري، ووضع الكحل على عينيّ، ونسيتُ هاتفي، ومذكرتي، ونسيتُ القهوة على النار، انتظرتُك طويلا، الآن سأغادر.

تصيبه بالدهشة، كأنه تعرفهُ منذ وقت طويل، هكذا يكسر الغريبان غربتهما، وينغمسان في شؤون الحياة والحب، وحدها وارززات تفعل هذه الأشياء، تورطك في الحياة، تورطك في اليوميّ. الحب في وارززات؛ هو أن تفاجئ شابّة بالسؤال: هل تحبين؟

وعوضًا عن أن تطاردك بالأحجار الصغيرة، أو ترميك بقنينة الماء المعدني، تردّ عليك بخفر كبير، وبخجل كبير، مبتسمة، مستسلمة لسؤالك الذي اخترق قوس قزحها.

في الشّارع الذي كان يفصل بين إقامة أفولكي حيث كنا نزلاء، إلى قاعة القصر البلدي، مسافة كافية، كي تصادف وجوها كثيرةً، وملامح عديدة، لكن لوجوه أهل وارززات خاصية فريدة، ملامح عفوية، وابتسامة رقيقة، يكثرون السلام، ويتصافحون بحرارة وبكرم كبير، كثيري الترحاب، يوثرون على أنفسهم.

The post «وارززات»: إياك أعني.. واسمعي يا مدينة! appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست