الأربعاء، 1 فبراير 2017

ثقفني اون لاين : وهم الوعي الذاتي

ما يميّز الإنسان عمّا سواه من باقي المخلوقات الحية على الأرض، أو في الفضاء المنظور حولنا، هو قدرة البشر على الوعي الذاتي بوجودهم وما حولهم.

والوعي الذاتي، أو الوعي بالذات كمفهوم معناه، أن يدرك الكائن الحي وجوده، وأن يعي ما حوله، وأن ينطلق بوعيه باحثًا عن الغاية والعلّة من تواجده بالحياة، بغض النظر عن وصوله لإجابات مقنعة، أو زائفة.

لذا، وفي ضوء ما نعرف لم نعهد مخلوقًا أو كائنًا حيًّا آخر «بخلاف البشر» عالمًا وواعيًا ومدركًا بوجوده وذاته على الأرض كما فعلنا ونفعل نحن البشر، ولعل «الوعي الذاتي» كان نقطة الانطلاقة الرئيسية لنشأة الحضارة البشرية عمومًا، فالوعي يعني الإدراك بالموجود والوجود، ونقطة انطلاق لتغييره لصورة، أو شكل آخر.

لقد تطورت الحضارة الإنسانية، حتى وصلت الآن لمرحلة متقدمة تقنيًّا، وعلميًّا بصورة لم تعهدها البشرية طوال تاريخها من قبل، وبفضل هذه التقنيات الجديدة، اتسعت دوائر الوعي الذاتي للبشر بصورة لا يمكن تدارك أبعادها عند نقطة زمنية محددة حاليًا، فهو «أي الوعي» في توسع مضطرد، ومتسارع، وبشكل مخيف، لدرجة لا نغالي في القول، إن الحضارة الإنسانية على أعتاب مرحلة جديدة كليّة من الوعي الذاتي، ينقلها لآفاق مغايرة تمامًا لبدايات نشأتها.

ثمة جزم قد يصل لمرتبة اليقين، أن التطورات التقنية في مجال البرمجيات وبخاصة «الذكاء الاصطناعي» ستكون مدخلًا لمرحلة جديدة في حياة وحضارة البشر، لدرجة تدعونا للتساؤل: هل سنصل قريبًا لمستويات من الذكاء الاصطناعي قادرة على الوعي بذاتها ووجودها كبرمجيات؟ بمعنى آخر هل سنصل لمرحلة يتمّكن منها الإنسان من نقل قدرته على الوعي الذاتي، وإدراك ما حوله في صورة برمجيات ذكية؟

لنتخيّل ذلك السيناريو، حينما تتواجد بيننا آلات ذات قدرة برمجية عالية للغاية، قادرة على الوعي بذاتها ووجودها. في تلك اللحظة تبدأ تلك المرحلة حين تكون الآلة قادرة على رفض الأوامر وعصيان التعليمات، لسبب يرجع لها هي فقط، وبغض النظر عن مشروعيته أو واقعيته.

حينئذ يصبح التفكير المستقل خطوة تالية على نشأة الوعي الذاتي بين هذه الآلات والبرمجيات، وقتها يصبح الوعي بالذات خطوة على طريق مفزع لا نعرف نهايته.

لكن وصولنا «كبشر» لهذه المرحلة، يجعلنا نرتد بالتفكير للبدايات، أو البدائيات، أو الأوليّات إن شئنا الدقة، بمعنى، إذا تمكّن الإنسان من تصنيع «آلة» واعية بذاتها، وقادرة على التفكير المستقل، أليس ذلك دلالة على أن الوعي والإدراك ذاته يتم استزراعه بداية في «الآلة»، ثم إطلاقها كي تتوهم قدرتها على وعيها بذاتها وبوجودها؟!

نطرح السؤال بصيغة أخرى، كيف تعرف الآلة بداية وعيها بذاتها ووجودها؟! خاصةً وأن كل ما هنالك أنها وعت فجأة وجودها، وأدركت كينونتها بين الكائنات الأخرى سواء «آلات»، أو كائنات حية أخرى!

ربما ننتقل الآن لمقام أعلى للحيرة والقلق، فنعمل على صياغة التساؤل بصورة مغايرة تمامًا، كيف علم الفرد بذاته منذ آلاف السنين؟ بمعنى كيف أدرك أنه مختلف عمّا حوله؟ فهل كان وعيًا بحق أم وعيًا مستزرعًا منذ بدايات النشأة؟ كصورة أقرب لبرمجيات الذكاء الاصطناعي؟!

لعل التطور التقني الحادث والجاري الآن، يشير لمقاربة غاية في الأهمية، وهي أن الإنسان يعمل بصورة لا واعية على تكرار سيناريوهات قديمة منذ الأزل، كما لو كان ماكينة تصوير ضوئية، تنتج نسخًا متشابهة على شاكلته، وربما بفطرة جُبل عليها، ومتأصلة ببنيته البشرية المتفردة، بينما يعي الإنسان القائم (واهمًا) بتشغيل هذه الماكينة أنه يُنتج نسخًا أصلية.

The post وهم الوعي الذاتي appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست