• ثورة ١٩١٩ في وقتنا هذا ليست أكثر من مجرد صفحة تتحدث عن أسبابها ونتائجها في كتاب الدراسات الاجتماعية للصف السادس الابتدائي، وعندما يتحدث أعتى الكُتّاب والمثقفين عن تلك الثورة في الأغلب لا يخرج سياق حديثهم عن نفي سعد زغلول، وبيت الأمة، وشعارات من قبيل «تحيا الهلال مع الصليب» ويرجع ذلك إلى قدرتنا الخارقة على اختزال الحدث في شخص واحد.
• لم نهتم يومًا ما بالإشارة إلى أن هناك فلاحات تم اغتصابهن من قِبل جنود الاحتلال الإنجليزي في قرية صغيرة تُدعى «نزلة الشوبك» وتقع قرب محافظة الجيزة في أثناء تلك الثورة وكانت لديهن الشجاعة الكافية للمثول أمام محكمة المستعمر البريطاني العسكرية حينها وحكي الانتهاكات التي تعرضن لها كمحاولة لاسترداد حقوقهن وما كان من المحكمة الموقرة إلا اعتبار الأقوال التي أدلى بها الشهود عارية تمامًا عن الصحة.
• في الواقع أن من خذل هؤلاء النساء ليس فقط محكمة المستعمر، ولكن خذلتهن أيضًا الحركة الوطنية المصرية التي استخدمت قصصهن وحكاياتهن وقتها في شعاراتها ومنشوراتها ثم تخلت عنهن بعد ذلك، وتم تهميش هذا الحادث تمامًا، حتى تم العثور على وثائق في أرشيف وزارة الخارجية البريطانية توثق هذا الحادث، وجمعت الباحثة الإنجليزية «كاترين هولز» المادة التاريخية التي تخص هذا الحادث بالتعاون مع المخرجة المصرية «ليلى سليمان» التي ألقت الضوء على تلك القضية من خلال العرض المسرحي «زِج زِج» وهي الكلمة ذاتها التي كان يستخدمها جنود الجيش الإنجليزي عند اقتحامهم لبيوت القرية كناية عن رغبتهم في ممارسة الجنس.
• تسعون دقيقة حكت واستعرضت خلالها خمس مؤديات – حيث اعتمدت المخرجة في العرض على النساء فقط فلعبن كل أدوار المسرحية: الضحايا والعساكر والمحقق- ما حدث منذ مئة عام في نزلة الشوبك من اغتصاب وإهانة لعدد من نساء القرية وكذلك قوة هؤلاء النساء وشجاعتهن ومثابرتهم أمام المعتدى.
• تسعون دقيقة يكشفن عن التاريخ المنسي أو المحجوب، تسعون دقيقة من مسرح ما بعد الدراما الذي يُجبر المشاهد على عقد مقارنة بين ما يشاهده وبين واقعه ليجد نفسه يتساءل: ما الذي تغير بعد؟!
• في ديسمبر ٢٠١٦ تفوق أمل من تأثير البنج، وهي أم مُطلقة، تبلغ من العمر خمسة وأربعين عامًا، مسلوبة الإرادة طوال عمرها، حاولت أن تجد نفسها في بيت والدها -التي تعتبر أجمل لحظات حياتها معه وهي تشاهد أفلام الريحاني بجانبه- ولكن قهرتها الأم التي طالما واجهتها بعيوبها وسلبياتها ونقاط ضعفها وكذلك بعجزها عن تحقيق أي أهداف لها لأنها ببساطة بلا أهداف.
وللهروب من ذلك البيت الذي كانت تُوبخ فيه لأتفه الأسباب كوقوفها المُتكرر أمام المرايا وافقت أمل على الزواج من رجل «إتم» هكذا وصفته، لتتحول إلى آلة كل مهمتها هي خدمة هذا الرجل -الذي لا يشاركها أيامها ولا أحلامها- وكذلك خدمة طفليها محمود وهنا ساعيةً لجعل طفولة ابنتها أفضل من طفولتها البائسة.
• وبعد خمسة وأربعين عامًا تكتشف أمل أنها ليست سعيدة وأنها لم تتحكم في ذلك العُمر، ولكن تحكم فيه غيرها من والدتها إلى زوجها وهما الاثنان لا يعرفان ما بداخلها. تفوق أمل من البنج على صراع يستلزم اتخاذ قرار نابع من شخصها هي. فبعد طلاقها غيابيًا هي مُخيرة بين العودة إلى بيت أمِها وتحمُل ما لا طاقة لها به في ذلك البيت، أو أن تظل رهن لطليقها عساه يعود إليها يومًا، أو أن تشق طريقًا ثالثًا لحياتها تستطيع من خلاله أن تحيا كما تريد دون تأثير أي شخص غيرها في حياتها.
• أمل هي بطلة العرض المسرحى «٤٥» للمخرجة «ندى ثابت» وهي الشخصية التي قامت بتمثيلها «سحر الموجى» وهي ليس مجرد شخصية في مسرحية ما ولكنها شخصية غالبًا ما تجدها في كل عائلة، قد تكون والدتك، أو أختك، أو حتى ابنتك.
• في رأيي أن شخصية أمل لم تكن وليدة اللحظة ولا حتى وليدة خمسة وأربعين سنة عمرها في المسرحية، ولكنها تراكم لسنوات عديدة بمواقفها، سنوات قد تصل إلى مئة عام حتى نصل إلى أمل في ١٩١٩، لكن حينها أمل كانت قوية، هادفة، صلبة وتلك الصلابة التي قادتها للوقوف أمام محكمة المستعمر البريطاني العسكرية مطالبةً بحقها، ولكن ما حدث خلال تلك السنين من وأد وطمس لأي منجز للمرأة وإهدار حقوقها في طريق استقلالها هو الذي خلق شخصية أمل جديدة تائهة، غير قادرة على التحكم في حياتها بل غير قادرة على تحقيق أبسط أحلامها وهي الذهاب واللعب على شط البحر.
The post أمل.. ما الذي تغير؟ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست