الجمعة، 3 فبراير 2017

ثقفني اون لاين : سوسيولوجيا الفرح الجماهيري

في الشوارع والمنازل، على صفحات الفيس بوك وتويتر، لن تجد فردًا واحدًا، لم يصفق بحرارة للمنتخب على فوزه، ولربما أوشك على الصراخ كالمجنون، بل هناك بعض المنازل التي تعالت فيها الزغاريد، وعلى صفحات الفيس بوك لن تجد فردًا واحدًا لم يعبر عن سعادته بفوز المنتخب العظيم، وتحقيق هذا الانتصار الهائل على المنتخب البوركيني، ليصعد المنتخب المصري لنهائي بطولة أفريقيا.

وقبل أن أبدأ الحديث، أود أن ألفت نظر المتربصين، وأنبه الناس أجمعين، أن كلامي هذا لا يدل على أنني لست وطنيًا ولم أشجع المنتخب ولم أفرح لفوزه، حتى لا يتهمني محتكرو الوطنية بالعمالة والتخوين، كفانا الله وكفاكم شر هؤلاء، ولكن ما أتحدث عنه بصورة أساسية هو المبالغة في الفرح، بل اصطناع الفرح.

إن المبالغة الزائدة في الفرح بأشياء لن تعود عليك بمنافع مباشرة هو في رأيي أمر يعود إلى هذا السبب الرئيس وهو: اصطناع الفرح الوهمي؛ فحين تكثر هموم ومشاكل الناس، يصبح الملاذ الأول والأخير هو اصطناع الفرحة، اصطناع الفرحة عن طريق البحث عن أي شيء يسبب سعادة والمبالغة فيه، تمامًا كما يقوم المدمن بشرب المخدرات ليكون سعيدًا. أعني أن الناس أصبحت لا تجد شيئًا يسعدها، فتصطنع ما يسعدها. وعند تحليل بعض العبارات على الفيس بوك نجد أنها تشير إلى هذا التحليل السابق، تقول إحداهن بكلمات يملؤها اليأس «على سبيل الفرحة، فوز منتخب مصر»، ويقول آخر: «المجد كل المجد للمنتخب اللي قدر يرسم البهجة في عيون ناس بتكلم نفسها من القهر كل يوم ولو لدقائق»، بينما تقول إحداهن «لما تجيلك الفرصة اتشعبط في الفرحة»، ولا يخفى على القارئ العزيز دلالة هذه الكلمات، فكلمة «اتشعبط» على سبيل المثال تعني التعلق بالشيء الذي لم يلحقه، ومنا «يتشعبط في المواصلات» أي ركب على الحافة. ويقول آخر مستنكرًا وساخرًا «مبروك على كل لاعب في المنتخب المكافأة، ده غير هدايا رجال الأعمال وإحنا مبروك علينا الفلوس اللي دفعناها على القهوه». إن هذه الكلمات تعبر عن مدى حاجة الناس إلى فرحة ومن ثم فهم يصطنعونها.

إن المجتمعات حين تضيع في براثن الجهل والتخلف، وتضيع قيم العمل والإنجاز، تبدأ في صنع البطولات الزائفة وتمجدها وتهلل لها، في حين أنها ليست بطولات في الواقع. تبدأ في البحث عن الفرحة السلسة التي تأتي بلا عناء،لا الفرحة التي يسبقها عناء ومشقة. الفرحة التي تأتي بمجهود الآخرين لا بمجهودهم، وهي فرحة وهمية لأن عوائد تلك الفرحة لن تمسهم من قريب أو بعيد، فهل سيعطيك المنتخب درجة علمية أو درجة مهنية ما إذا فاز بكأس أفريقيا أو حتى كأس العالم! وهل سيعطيك أحد لاعبي المنتخب بضعة جنيهات لأنهم فازوا بكأس أفريقيًا! إن الأمر كيفما نظرت إليه فهو أمر لا عقلاني بامتياز.

يحكي لي صديقي الذي يعيش في مدينة أولم بألمانيا عن رد فعل صديقه الألماني حين هنأه بفوز فريق ألمانيا بكأس العالم 2014، فيقول لقد رد عليّ ردًا لم أتوقعه أبدًا، لقد قال لي بصوت يملؤه البرود «أنا مفزتش، فأنت ليه بتهنيني». يا له من شخص أناني يحب نفسه ولا يحب بلاده، إنه من الطابور الخامس، أو ربما عميل صهيوني ولا يريد لألمانيا التقدم!

لا يا سادة، إن هذا الشخص وكل الألمانيين ينهمكون في عملهم، ولا يشغلهم إلا مصالحهم، فحققوا نمو ذاتهم الذي عاد بالضرورة على مجتمعهم الألماني، إن هؤلاء الأفراد لا يضيعون الوقت فيما لا يسمن ولا يغني من جوع، ولكنهم يقدرون قيمة الوقت.

لست معارضًا لأن تشاهد مباراة، وتلبي رغبتك، فهي أولًا وأخيرًا هواية، ولكن الكارثة الكبرى أن تجد أن الشيء الوحيد الذي أصبح مصدر السعادة هو الكرة، أن يصل الأمر ببعض الأشخاص أن يوزع «حاجة ساقعة» بعد الماتش لفوز فريقه المفضل. حين تجد هذه الأمور في مجتمع اعلم جيدًا أنه مجتمع متخلف.

أفيقوا، فالطوفان قادم

أفيقوا يرحمكم الله 

The post سوسيولوجيا الفرح الجماهيري appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست