الأربعاء، 1 فبراير 2017

ثقفني اون لاين : «خيال المآتة».. صناعة الخوف 

«خيال المآتة» من التراث الشعبي والموروث الثقافي في الريف المصري، تدور فكرة «خيال المآتة» حول إبعاد الطيور عن المحصول الزراعي للفلاح، من خلال إيهام الطيور بوجود شبح لشخص ما وسط الحقل يتحرك بفعل الرياح، ولأن الطيور لا عقل لها بالمعني الحرفي، فإنها تهابه وتخشاه وتبتعد عن المحصول. بالفعل كان يحقق «خيال المآتة» الهدف منه وتمكّن الفلاح المصري بحيلة بسيطة من تجنب ضرر اقتصادي كانت تُنزله الطيور بمحصوله إلى حد ما.

«خيال المآتة» موروث ثقافي مستقر في الأذهان، تلجأ له السلطات أو الدولة بصريح العبارة كل فترة «فزّاعة» لإرهاب الناس وإخافتهم بمشكلة ما أو حدث رهيب قادم على الأبواب أو خطر لا يمكن ردّه، ولعل الفكرة تقوم على فرضية صحيحة إلى حد ما، وهي أن العقل الجمعي لا يختلف كثيرًا عن عقل الطائر، وأن التلويح بأي مخاطر أو ضرر جماعي يحقق الهدف منه بسهولة.

ويُقصد بالعقل الجمعي هنا تلك الفكرة أو الأفكار أو الشائعات التي تنتشر بين جنبات المجتمع ويصدقها الناس أو الغالبية دون وعي أو بتأثير دوران الإشاعة أو الفكرة لفترات طويلة فتصبح ثابتًا من الثوابت أو أمرًا مسلّمًا به، ولعل أقرب تفسير لفكرة «العقل الجمعي» ما صاغه المثل الشعبي الشهير «الزنّ ع الودان أمّر من السحر» فالحديث ليلاً ونهارًا عن حدث ما، يخلق بمرور الوقت تقبّلاً لدى الناس واستعدادًا للتصديق .

والحق أن الخيالات والأوهام التي تحكمنا كثيرة جدًا، بحيث يصعب حصرها، كما أنها لا تتوقف عند نقطة ما؛ فهي في تزايد، وأصبحنا مدرّبين «من كثرة النوازل» على تقبل كل فكرة عن نازلة أو داهية ستحل بنا، نخشاها ونفزع منها، رغم أن كلّ منّا لو انفرد بنفسه لنفى الفكرة وسخّف من قيمتها وأنكر أثرها نهائيًا، لكن كلما اجتمعنا سواء صدفة أو عن قصد إلاّ وكانت النوازل الوهمية التي تُروّج بيننا، تصبح ثوابتًا مثل القضاء والقدر، نصبح بتأثير الإشاعة كما العصافير في تعاملها مع «خيال المآتة»

وللإعلام اليوم دور كبير في الترويج للأفكار الشيطانية الإلهائية، يكفي أن تُمرر إليهم فكرة ما عن نازلة سوف تصيب القوم أو بإشاعة عن كارثة ستحل في الآفاق قريبًا، وإن شئت الدقة لتصبح الإشاعة حقيقة، فحددّ تاريخًا لحدوثها، ثم ترقب وشاهد بعد ذلك، لترى قامات وهامات إعلامية وقد أصبحت أبواقًا للترويج للفكرة ولتسويق الإشاعة، تراهم وقد أصبحوا «ببغاوات» تردد دون وعي أو بقصد الانتشار والبحث عن السبق .

لذا لا غرابة، أن يصبح التكالب على شراء أو تأسيس فضائيات أو صحف إليكترونية، خيالاً لا رجعة فيه، ولا محيص عنه لغالبية رجال الأعمال، والسادة المتنفّذين بالبلد، فـ«للميديا» قوة الآن تعدت قوة المال، والمعادلة أُعيدت صياغتها لتصبح الكلمة المقروءة، وللصوت والصورة قدرة تجاوزت رأس المال، وأضحت أدوات سياسية تقض مضجع الدولة بحق، وتعمل هذه الأخيرة حسابًا لها، وتخشى تأثيراتها .

وهكذا أصبح الحال، خيالات مآتة كثيرة تسيطر على الأجواء، تقف وراءها قوى إعلامية وأجهزة سيادية وسلطوية، ربما في أحايين كثيرة تنشأ الإشاعة أو الفزاعة خارج سيطرة الدولة نفسها وتقع هي ضحية لواحدة منها كما العصافير التي تملأ الأجواء .

في النهاية فإن «خيال المآتة» وهم و نعلم يقينا بأنه ضلال، وندرك ذلك كأفراد لكننا ننساق وراء هذه الأوهام على المستوى الجمعي، نصدق ما لا يعقل ونؤمن بما يردده غيرنا لإقناعنا به .

The post «خيال المآتة».. صناعة الخوف  appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست