إن المكون العربي متأصل في الشخصية والهوية المصرية، ولكنه ليس المكون الوحيد، وربما ليس الأكثر تأثيرًا؛ فنحن أمة أتمّت وحدتها السياسية في الألفية الرابعة قبل الميلاد، وهو ما يعني إضافة ألفيتين سابقتين على هذا التاريخ، قضاها المصريون في اتحادات جغرافية محدودة، زادت رقعتها لاحقًا، فيما عُرف بمملكة الشمال ومملكة الجنوب، ثم صار النزاع بينهما حتى تمكن الملك نارمر أو مينا من توحيد القطرين. أي أنه وفقًا للتاريخ، فنحن الآن في ألفيتنا السابعة، ومن المعلوم أن دخول العرب لمصر جاء بقدوم القائد العربي المسلم عمرو بن العاص عام 640 ميلادية؛ مما يعني أنه ما يربو على السبعة آلاف عام يمثل انتماء مصر للجسد الإسلامي، وفي القلب منه اللغة العربية؛ حيث أصبحت اللغة العربية هي لغة التخاطب بين العامة في القرن الحادي عشر الميلادي أي في عام 1438 ميلادية؛ إذًا لماذا يصر البعض على اختطاف كامل الهوية المصرية، وصبغها بالصبغة العربية فقط، دون باقي المكونات التاريخية والحضارية، التي شكلت وصنعت أسطورة مصر على مدار التاريخ؟
هناك دراسة حديثة قام بها فريق من ناشيونال جيوجرافيك حول أصول المصريين وبعض شعوب المنطقة؛ جاءت نتائج هذه الدراسة مذهلة، فقد ثبت بعد تحليل الحامض النووي للكثيرين أن فقط 17 % من المصريين ينتمون جينيًا للعرب، وفي الوقت الذي يُصنف فيه بلد كبير مثل إيران على أنه بلد غير عربي، فقد وُجد أن أكثر من 60% من سكانه ينتمون جينيًا للعرب.
إذًا لم يتبقَ لنا سوى عامل اللغة، هل عندما نتعلم لغة ونتقنها بشكل تام ونتشرب قدرًا من ثقافتها نصبح من أهلها؟ أظن إن الإجابة ستكون بلا. وفي هذا السياق أتساءل وإن كان متأخرًا جدًا عن السر أو الفلسفة التي كانت وراء التقليد الذي اتّبعه التليفزيون المصري «كان اسمه في البداية التليفزيون العربي» منذ نشأته وسارت على نهجه معظم الفضائيات الحديثة عندما كان يضع لافتة مكتوب عليها الفيلم العربي عند عرض الأفلام المصرية؟، بدايةً يجب أن نعرف أن الفيلم ينسب لجهة إنتاجه، ومؤخرًا ولتشابك وتعقيدات أمور الإنتاج، واشتراك جهات عديدة في أحيانٍ كثيرة في إنتاج فيلم، استُقر على أن الفيلم يُنسب لجنسية مخرجه، هل لأن الفيلم ناطق بالعربية يصبح عربيًّا؟ ومَنْ هو هذا العربي الذي ينسب إليه الفيلم؟ أليس انتساب فيلم ما للغته جهلًا وتسطيحًا للأمر؟ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا نرى لافتة على فيلم مكسيكي أو أرجنتيني مكتوب عليها الفيلم الإسباني، فكلا البلدين يتحدث الإسبانية، ألن يحدث ارتباك في معرفة جنسية الفيلم إذًا وضعت لافتة مثل هذه؟
ربما تعود هذه الفلسفة للتوجه العروبي الكبير الذي أرساه الزعيم عبد الناصر, ولكن في هذا السياق وجب التذكير على أن عبد الناصر تحدث عن الدائرة العربية من بين ثلاث دوائر، يمكن لمصر أن تتحرك فيهم، وهم الدوائر العربية والإسلامية والإفريقية، وهنا لا يتسع المقام لنقد هذه النظرية التي أرى أنها جيدة إلى حد ما، ولكن آخذ عليها إهمالها لجانب هام جدًا، ولم تكن مصر في معزل عنه يومًا ما، وهو دائرة البحر المتوسط، ولكن ما يهمني هو التساؤل حول تركيزنا على دائرة واحدة من ثلاث.
أتمنى ألا يُفهم كلامي على أنه محاولة لسلخ مصر عن أي دور عربي وحدوي، أو أنه ينطلق من نظرة استعلائية على الثقافة العربية، وأن يُفهم على أنه فقط محاولة للبحث الجاد في الهوية المصرية، وتأكيد أنها ليست عربية في المطلق, كما أن هناك أبعادًا أخرى هامة ومؤثرة في التكوين المصري لا يجب إهمالها. مصر هي مصر، ولا يجب التقليل من قدرها؛ وذلك من خلال أن نحسبها ونُقصر هويتها على مكون واحد فقط من بين مكوناتها المتعددة، ويجب الفصل التام بين اللغة العربية وبين كون الأغلبية فيها تدين بالإسلام، وهذه قصة أخرى ليس من الموضوعية التحدث بشأنها الآن. وأخيرًا أتمنى أن تُزال لافتة الفيلم العربي ويُوضع مكانها لافتة الفيلم المصري.
The post الفيلم العربى appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست