كانت القصة منذ ثلاث سنوات تقريبًا عندما بدأ بعضهم يحكي ذكرياته في فض اعتصام رابعة والويلات التي عاناها في تلك الأيام.
وعندما استهل عبد الرحمن – سلمه الله أينما كان – لبدء الحديث توقع جميعهم أن يلهمهم من البطولات والشجاعات ما يثبتهم على قضيتهم وما يبعث فيهم من روح الإرادة والانتصار خصوصًا أنه كان من قيادات شباب إخوان محافظة المنوفية كما أنه كان ابن قيادي بارز في المحافظة، ولكن كان مجال حديثه من وجهة نظر أخرى سردًا لأحداث مهمة في طريق مصر وشهادة على ما عاناه المعتصمون وما اتخذته القيادات من قرارات مصيرية تستوجب المصارحة والمساءلة ولو بعد حين، إلى جانب الاتعاظ المصحوب بالتعاطف مع أناس ذاقوا ويلات الحرب في بلد الأمن والأمان.
بدا عبد الرحمن يحكي ما كان يدور في تلك الليالي المجيدة والصمود الذي رآه من الجميع في تلك الأوقات العصيبة الأطفال منهم والنساء قبل الرجال، ولا يخرج من ذاكرتي أبدًا وصفه لأحداث الفض وما قبلها بليلة من أحداث. عندما أنهى عبد الرحمن فترته اليومية – والتي تنتهي بعد العِشاء بقليل – في قيادة الإخوة عند بوابة المنوفية كما كانوا يطلقون عليها، ذهب ليأخذ قسطه من الراحة بعد أن تناول غداءه المتأخر وانتظر طويلًا في طابور حتى تمكن من دخول الحمام.
ما لبث أن غفوت عيناه حتى جاء أحد الإخوة يوقظه على عجل قائلًا له «اصحى وروّح استلم مكانك تاني واستعدوا، الشرطة جاية بكرة علشان تفض الاعتصام»، ثم أكمل حديثه قائلًا «هيفضوا هيفضوا حتى لو على جثثنا كلنا» لم تخرج هذه الكلمات من أذني منذ ثلاث سنوات إلى الآن وتطرح تساؤلًا كبيرًا في رأسي وهو لماذا لم يعلن قيادات الإخوان تعليق الاعتصام مؤقتًا بما أنهم متأكدون من حدوث كارثة بعد أقل من عشر ساعات؟ هل المجدي فعلًا أن تقع ضحايا حتى يكونوا حديث العالم ويتعاطف معهم البعيد والقريب؟ أم ستنهار أساطيرهم عن الجهاد وكلامهم «سلميتنا أقوى من الرصاص – والرئيس هيصلي معانا العصر – والشرعية هترجع في غضون أيام وكل منقلب هياخد جزاءه» وما فائدة الشعارات والأقاويل أصلًا عندما يكون الإنسان مقتادًا أو مقيدًا أو مقتولًا مع نظام مدعوم من آلة إعلامية وشعبية لم يكن لها مثيل من قبل؟
ألا يعلمون أن الإنسان حرًا خارج قضبان السجون له نفع للقضية وأن الحراك الثوري يحتاج إلى أصحاء أقوياء ليحملوا راية الجولات القادمة؟
لماذا قرروا التضحية؟ وماذا كان يدور برأسهم حينها علموا أن الفض قادم لا محالة وقرروا أن يستمروا في الاعتصام منتظرين الفض بكل صدر رحب وبأجسام عزل؟
وهل استمرار عنادهم في تلك الأوقات المصيرية يعتبر اشتراكًا منهم في دم أريق وحرية تم تقييدها؟ وأين حكم الضرورة الذي درسه الكثير منهم ويدرسونه وسمعنا عنه كثيرًا في معاركهم السياسية مع نظام مبارك لسنوات وسنوات؟
تواردت هذه القصة وما صاحبها من أسئلة تمنيت من الله كثيرًا أن يكشف سرها عن ذويها حينما قرأت بيانًا لأولتراس أهلاوي فجر أمس الأربعاء بخصوص إحياء ذكرى شهداء بورسعيد – أحسن الله ذكراهم – عندما قرروا إلغاء إقامة المراسم في إستاد التتش بالنادي الأهلي، وهم الذين أخرجوا بيانًا قبل ذلك البيان قرروا فيه تحدي الأمن بإقامة التابين في التتش بعد أن تم القبض على مجموعة من القيادات واقتيادهم إلى أمن الدولة، ولكن جاء إلغاء إحياء الذكرى بعد أن تحول شارع الجبلاية إلى ثكنة عسكرية كان أي احتكاك معها لن يخرج دون قتلى بأعداد غفيرة ومعتقلين توجه إليهم تهم قتل زملائهم كما هو المعتاد.
فكيف كان سيكون الحال إذا عاند شباب الأولتراس مثلما عاند قيادات الإخوان من قبل وذهبوا لإحياء الذكري ثم أصبحوا جرحى وقتلى ومعتقلين؟ وما فائدة ذلك للقضية وللمبادئ وما فائدة ذلك في استكمال المطالبة بحق من صعدت روحه غدرًا إلى الرفيق الأعلى؟
هنا كانت للضرورة أحكام ولغى الأولتراس إحياء ذكرى شهداء المذبحة في حين أن علماء الدين في جماعة الإخوان تمسكوا بعنادهم وانتصروا للشعارات ولم يتخذوا من فقه الضرورة ما يتيح لهم تعليق الاعتصام الذي نتج عن فضه قرابة الألف الشهيد وآلاف الجرحى والمعتقلين في مشاهد ستظل العين تدمع لها وسيقف لها المؤرخون طويلًا وتتحدث عنها كل الأجيال.
The post عندما تفهم الأولتراس فقه الضرورة أكثر من شيوخ الإخوان appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست