بداية معنى تطبيق العدالة الاجتماعية: أن تطبّق الدولة القانون، وأن تكسر احتكار القلة للأسواق؛ ضمانةً لوصول المواطن للخدمة أو السلعة بسعر عادل طبيعي، وبمستوى جودة جيد يناسب احتياجاته.
وطالما ارتضيت الدولة أن تتبع سُنّة صندوق النقد والبنك الدوليين، وتسير على توصياتهم كأنها آيات منزّلات من السماء؛ فينبغي عليها بدايةً أن تُعمل ذات الآليات والضوابط التي تنتهجها البلدان الرأسمالية لضمان استقرار المجتمع، ولا ينبغي أن تتنازل عن دورها في إحكام السيطرة على الأسواق دون تدخّل بسياسات تسعير جبرية .
إن اتّباع «روشتة» المؤسسات النقدية الدولية، يعني أننا ارتضينا طريق النظام الرأسمالي بصفة مباشرة، والرضا يعني بالضرورة الأخذ بكافة مقتضيات وأركان هذا النظام .
تعاني بنيّة السوق المصرية من حالة تشوّه مزمنة منذ عشرات السنين؛ من ثم ظهرت كيانات احتكارية، تفرض خدماتها ومنتجاتها على الجمهور، وفق سياسات سعرية تحددها هي، ووفق مستويات جودة غالبًا متواضعة للغاية .
وهي كيانات بعضها مملوك للدولة للأسف، مثل المرافق العامة التي تقدم خدماتها للجمهور (كهرباء– مياه– غاز–… إلخ) فالخدمة لا بديل عنها، ومستوى الجودة مما تُتيحه هذه المرافق للمواطن، حيث لا يملك غيرها، ولا يملك المواطن بديلًا.
وإذا تحدّثنا عن القطاع الخاص، فكما يُقال «حدّث ولا حرج»؛ فرداءة الشكل والمضمون، وارتفاع الأسعار بطريقة مغالية، دفعت غالبية المصريين إلى الإقبال على شراء نفايات العالم الغربي والشرقي على السواء، وهو ما يُسمى «نظام استيراد قطع الغيار والسلع المستعملة» فهي في النهاية وبرغم خطورتها على الصحة أفضل من البديل المحلي المرتفع السعر، والمتدني في الجودة.
وقد انتبه كهنة النظام الرأسمالي مبكرًا لهذه القضية؛ فرأوا أن كسر احتكار السلع والخدمات، بداية قوية لتصحيح السياسات السعرية، وتطوير نوعية وجودة هذه السلع والخدمات؛ لذا ظهر وراج مفهوم المنافسة الكاملة وعُدّ من أركان الرأسمالية التي لا يجوز الانحراف عنه.
ولقد نشأت فكرة المنافسة الكاملة؛ بغرض إنهاء احتكار فئة من التجار للسلع والخدمات، التي يقدمونها لجمهور المستهلكين.
وتعني أن عدد مقدمي الخدمة أو السلعة كبير، لدرجة أنه لا يمكن لأي منهم منفردًا أو مجتمعين أن يتحكموا في السعر، أو مستوى جودة السلعة، أو الخدمة المقدمة.
لم تأتِ فكرة المنافسة الكاملة من التجار، بل من خلال تشريعات وتدخلات من الدولة في السوق؛ للحد من تلك السيطرة، وبغرض ضمان وصول السلعة أو الخدمة للمواطن بسعر عادل، وبمستوى جودة يُرضي ذوقه ويلبي احتياجاته.
تضع الدولة السياسات والإجراءات التي تمنع سيطرة فرد أو تجمّع من التجار على سوق السلعة أو الخدمة، وتضمن بقوتها وإرادتها سيادة فقه المنافسة الكاملة؛ ولذا تعتبر هذه الفكرة من أولويّات العدالة الاجتماعية التي نادت بها ثورات ودساتير العالم المتقدم، كما لم تأتِ من فراغ، ولم تظهر من العدم، بل هي وليدة صراعات كبيرة بين الدولة من ناحية، باعتبارها طرف متعاقد مع المواطن الفرد، وبين رجال أعمال وتجار، يبتغون برأسمالية متوحشة من تعظيم أرباحهم، على حساب نوعية الخدمة أو الجودة للسلعة أو الخدمة المقدمة .
لم تتقدم بلدان أوروبا من فراغ، بل من خلال وعيها بقيمة العدالة الاجتماعية، وأن يقتنع المواطن بحرص الدولة على حقوقه، تلك اللحظة الفارقة من الزمن التي تبلورت فيها العلاقة بين الأطراف الثلاثة “الدولة– المواطن– التاجر”، وتأسست الحقوق وترتبت الالتزامات لكل طرف .
الخلاصة أن فكرة العدالة الاجتماعية لا تعني فقط توزيع الدخل أو الأجور، بل تتجاوز هذه الرؤية إلى ضمان وصول السلعة أو الخدمة للمواطن الفرد، وفق مستويات جودة مقبولة ترضي رغباته، وبمستوى سعر عادل يحقق ربحية معقولة للمُنتج أو التاجر، دون مغالاة أو شطط .
وعندما تستشعر الدولة «المتقدمة» صعوبة الوصول لسوق منافسة كاملة لسعلة أو خدمة ما، تضعها ضمن أولوياتها وترتّبها استراتيجيًّا، باعتبارها حاجة ينبغي أن تتدخل بنفسها، لضمان وصولها للمواطن، وفق سعر مناسب، يتفق مع مستويات الدخول السائدة بالمجتمع، أي أن فكرة العدالة الاجتماعية تعلو كثيرًا مفاهيم الرأسمالية، فحق المواطن في الحياة الآدمية بكرامة، هي الأصل في صياغة أي سياسات عامة، وهي الرابط واللُّحمة لتوازن المجتمع وضمان استقراره .
The post العدالة الاجتماعية والمنافسة الكاملة appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست