من خلق؟ ولماذاخلق؟ ولم خلقت؟
وما الدين؟ ولماذا أكون متدينًا؟ وهل واجب على أن أكون متدينا؟
وكيف أختار الدين الصحيح؟
أسئلة غريزية تتوارد فى ذهنك فى أول عمرك،تبدأ معك منذ طفولتك، والطريف أنه لم يسلم منها طفل، كأنه الاختبار الأول فى حياتك لمعرفة الكون وخالقه والدين الصحيح الذي يجب أن تنتهجه،كأنك تعد قدراتك وملكاتك الفطرية للإجابة على أسئلة هي أصل أمرك، جاءت فى خاطرك قبل أن تضغطك الدنيا بمادياتها، فتنسى ما قد خلقت لأجله، وطالما أن السؤال قائم، فلماذا أكون متدينًا جاءتك الإجابة فى أسمي صورها قائلة:
(فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لكلمات الله)
هكذا قال الله: إنها فطرِة متجذرة فى الطبيعة البشرية لا تنفك عنه، ولا ينفك عنها،فهو ليس اكتشافًا لحاجة ظهرت فى نفس الإنسان فاخترعها،بل هو من أساسيات الحياة ليعيش بروح سليمة مطمئنة،هذا الدين وهذه الفطرة، تراها بعينك فى النسب الإحصائية.
فتجد أن 84% من سكان كوكبنا مؤمنين بديانة ما، حقًا هي أو باطل.
وأيضًا تراها فيك لما كنت صغيرًا، وأنت تسأل أول سؤال عن الخلق والخالق.
تراها أيضًا فى حالات الانتحار التي تزداد فى الملحدين! وكلما اقتربت من الدين الحق قل الانتحار لدرجة تقارب الصفر،كما فى إحصاءات العام 2015.
وكذا الحالات النفسية، فإنها تزداد فى الملحدين، وتزداد فى الغرب أكثر من الشرق، بالرغم من فقره!
وقد حاول الكثير الاستبدال بالدين معتقدات قومية، أو تحكمية فلم تعط ما تريده الفطرة الإنسانية، لذلك قال العقاد عليه رحمة الله (الدين لازمة من لوازم الجماعات البشرية)، بل قال إنه أغلي من الأوطان.
وبعد كل هذه المقدمة تجد فى نفسك أسئلة تريد الإجابة عليها، منها:
ما الدين؟
إذا سألت هذا فإني مجيبك أنه هو الذي ينظم العلاقة بين العبد وخالقه، وهو الذي يكشف له أسرار الكون غير المرئية والمرئية، وهو الذي يحفزه للحياة بخلق سليم ونفس راضية.
ثم يأتي السؤال الثاني
ما السبب فى حاجة الناس للدين؟
إذا سألت نفسك هذا السؤال، وتيقنت، ثم عدت بفكرك مرة أو مرتين؛ ستجد أن السبب فى ذلك:
الأول : الفطرة والضعف البشري
الثاني :حاجة الإنسان للبقاء والسعادة الأبدية
نعم فالإنسان تجذبه روحه التي خلقها الله إلى معانيها وأسرارها، إن الإنسان يعيش فى هذه الحياة مرحلة عصيبة من الكفاح تضغط على روحه؛ فتجعله يضعف، لكنه إذا وجد من يستند إليه فإنه يقوي ويعود مرة أخرى للحياة بروح سعيدة؛ لأنه ترك أمره لخالق يستطيع تدبير أمره، فالإنسان وليد الحاجة، وحاجته لا تنتهي أبدًا، فكما يقول علماء الاقتصاد (إن الإنسان يسير تجاه هدف متحرك)، وتقابله الصعاب؛ مما تجعله أحيانًا لا يستطيع إكمال الطريق.
يظهر ذلك قوله تعالى
(هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين )
إنه الضعف البشري الذي يظهر جليًا فى حالات العجز الذي لا يستطيع أن يفعل شيئا تجاه الأسباب، فلو لم يسد حاجته فإنه يحتاج إلى قوة تنتشله وتعيد إلى روحه معنى الحياة، وهذا لا يكون إلا فى الدين.
إن الروح تعرف الطريق إلى خالقها، هذا أمر يقيني، بدا ذلك واضحًا فى كلام ابن القيم رحمه الله، (إن في القلب شعث: لا يلمه إلا الإقبال على الله. وعليه وحشة: لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن : لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق: لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات : لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلب شديد: لا يقف دون أن يكون هو وحده المطلوب، وفيه فاقة: لا يسدها إلا محبته ودوام ذكره والإخلاص له، ولو أعطى الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبدًا!)
نعم نعم،لم ولن تسد إذا ملك الدنيا كلها؛ لأنه أخطأ في إشباع حاجاته، فكلما احتاجت الروح أشبع الجسد، وتزداد حاجة الروح ولا تسد إلا بالاقبال على الخالق.
وكلما طهرت الروح وصفت اقتربت من خالقها، وكلما أصاب الروح أمراض الدنيا انصرفت عن خالقها، وتتبعت الأسباب لتعبدها دون الله فتعبد أي شئ أقام لها الجسد دون الروح، فربما عبد بقرة أو مالًا أو أي شيء وهمي كان سببًا مباشرًا فى حياة الجسد،ذلك لأن الروح تعلقت بالسبب دون خالق الأسباب.
نعم فقد أصاب الروح عطب الحياة، ولم تعد الآلة التي هي الروح تهتدي للخالق؛ لأنها صارت كالجسد تحكمه الحاجة الأرضية.
ثم هي الحاجة لأن يبقي ويسعد
إن الروح هي كلمة الله الخالدة التي لا تموت، لذا فإنني أتصور أن حب الحياة وما يتبعها من طعام وشراب وزواج هو ما تمليه الروح على الجسد ليبقي ويسعد.
إن فكرة البقاء فكرة موجودة عند أي شخص، بل أي مجتمع،ترى ذلك فى حضارة الفراعنه حيث يضعون الأطعمة بجانب الميت ظنًا منهم أنه يعود بعد الوفاة،تراها في اغلب الحضارات إن لم يكن كلها .
فحاجة الإنسان للبقاء أصيلة والذي يمنيه ذلك هو الدين، هو الذي يشبع فيه أنه سيبقي، ويعيش حياة خالدة سعيده إذا التزم الدين ومنهجه فى العمل والسلوك .
وهنا يأتي سؤال
إذا كانت الروح هي الدليل الأكبر حتى يهتدي الإنسان، فلماذا لا يعبد كل الناس إلهًا واحدًا
أقول لك ياصديقي
إنه الهوي
الهوي هو ميل النفس إلى المعاني الأرضية،وطلب الإنسان للكمال، فيريد أن يشعر أنه لا يحتاج إلى معين، لذلك ترى الاكتشافات لتشبع ذلك الضعف، لكن هناك من يشكر الخالق، لأنه أرشد إليها.
وهناك من يظن أن نفسه هي التي فعلت ذلك، وهنا يقع صريع الهوي .
إن حاجة الإنسان فى أن يستمتع بحياته أمر لا بد منه تطلبه الروح من الجسد، لكن الطامة الكبري إذا تغلبت حاجة الجسد؛ فصارت تقود الروح إلى ملذاتها، ساعتها انقلب العسل سمًا، فالهوي إذا تملك الإنسان يدفعه دفعًا إلى اتباع منهج الطين التي هي الجسد دون النظر للروح،فإما أن يكون ملحدًا حتى يشبع الجسد فقط، ساعتها تبدأ الروح فى الشقاء، أو يتخذ إلهًا وفق هواه، لا يأمر ولا ينهى، كشجرة أو بقرة أو حجر، فيشبع نداء الروح الذي فيه معنى العبادة، وإن كانت عبادته خاطئة، وأيضًا يشبع نداء الجسد الذي صار يحرك الروح، وهنا يقول الحق سبحانه (كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث)، ويقول أيضًا (أو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا)
صحيح أنه يشبع أصل ما تريده الروح، لكن تظل الروح تبحث عن خالقها الحق فقد أشبعها السراب والوهم، فهي لا تجد مرشدًا ينقذها من رغبات الجسد التي تسلطت على الروح وصارت الروح تابعة للجسد،والأصل العكس، وهو أن يكون الجسد تابعًا للروح .
إن حالات الانتحار، بل الأمراض النفسية، ربما سببها غلبة الهوى على الروح. إننا نجد أن نسبة الانتحار تزداد فى الملحدين أكثر من المؤمنين بدين، وتقل كلما نصل للدين الحق. فتجد أن نسبة الانتحار فى الملحدين 50% من حالات الانتحار، ثم الذين يعبدون الشمس والقمر، وهكذا حتى تقل لدرجة الصفر فى أهل الإيمان الحق، و هذه الأمراض تزكو لأنهم ألغوا نداء الروح أصلًا، فكأن الروح تريد أن تنفصل عن الجسد، الذي هو سبب تعبها، عن طريق الانتحار.
إن الهوي يتخطفك لأن تبتعد عن الدين الصحيح، لكن إذا اهتدت الروح للدين الصحيح، ولم يستطع الهوى أن يجذبها، ربما قام الهوى بأن يغير فى الدين الحق لعارض شهوة أو لحب رياسة أو مال؛ فيداخله ذلك، فيغير تشريعات الدين الصحيح؛ فيصير الدين محرفًا باطلًا، لذا ترى ما يسمى مشايخ السلطان وقد كانوا فى بني اسرائيل من قبل (يحرفون الكلم عن مواضعه)، فإنهم قد جعلوا هواهم دينًا يخضع لهوى الحاكم،أو هوى النفس فى سبيل تحصيل منفعة في معركة كانت غلبة الهوى فيها على الروح.
لذا قال ابن الجوزي رحمه الله “إنما ينبغي للإنسان أن يتبع الدليل؛ لا أن يتبع طريقًا ويتطلب دليلها”.
كانت ذلك طبيعة من وصل للدين الحق، لكن غلبه الهوى، فصار يتبع طريق الهوى، ثم يقيم الأدلة الحق على ما يرى من باطل، فيصير الباطل حقًا، والحق باطلًا، وتظل رحى الحرب قائمة بين الهوى والروح قائمة لا تنفك، ولا بد من شيء يزيل هذا العراك إذا تعادلا.
فإن سألت فما هو ذاك الذي يزيل الحرب الدائرة بين الروح والهوي؟ أقول لك
إنه العقل
إن العقل قائم على التحليل والاستنباط والتدقيق
فالله خاطب العقل فى القرآن لأنه الحاكم المسيطر، فإذا فسد العقل، واعتمد اللامنطق؛ فقد خسرت الروح المعركة، ونجح الجسد فى جعل الروح فى ظلمات ثلاث، وإذا كان العقل صحيحًا، كان سهلًا عليه أن يصل للإله الحق، ويقيم الروح على الطريق الصحيح،لذا نجد طرق استنفار العقل فى القرآن بين الخبر والإنشاء، لإنقاذه واستعادة وعيه حتى لا يقع هو أيضًا فى حبال الهوى ورغباتها،لذلك يخاطب العقل مرة بأسلوب خبري طبيعي في قول الحق سبحانه (إن فى خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب).
ومرة يستنهض العقل فيقول (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت)!
فإذا نجح العقل فى كسب المعركة، فإنه لا يستطيع أن يكمل الطريق وحده، وإلا اخترع أمورًا جديدة؛ فصار العقل يحكمه الهوى.
لذا يأتي دور الوحي
وهذا هو ما ينقله الله إلى عباده؛ حتى يسيروا على الطريق الصحيح التي تسعد بها روحهم وأجسادهم على نظام حدده خالقهم الحق؛ لأنه أعلم بهم، فقد جاء الدين للسعادة، وكل عبادة لا تؤدي لسعادة، فليست عبادة حقيقية، إما أنها مبتدعة، أو أن صاحبها لم يقم بها على الوجه الصحيح.
فالوحي يحتوي على أمور أعظمها، التعريف بالخالق وأسمائه وصفاته وما يحب وما يكره، ثم يحتوي على الأحكام التي تضبط النفس والهوى؛ حتى لا يخرج عن هذا الإطار، فإن الوحي يضبط الشهوة بالزواج، وينكر الزنا؛ لأنه سيفسد الأنساب والمجتمعات وترابطها، بل يحرم السبل المؤدية للشر؛ لأنه يعلم طبيعة النفس وما تريد، ثم يذكر بالحياة الأبدية، وما فيها، إنه يجعل الروح تحوم فيما كانت تريد وتشتاق إلى هدفها.
إنه الصلة الوحيدة بين النفس وخالقها. إن الوحي واجب أن تعمل به كله ما استطعت، وأن تتخذ كل ذلك لعبادة الخالق، لا هوى النفس، ساعتها تجد السعادة.
خاتمة
ومن خلال ما ذكرت لك ستجد أن الخالق لم يترك النفس لمجرد أن أبويه على دين، فإنه مجبول على أن يكون على نفس الدين ، فمن قال ذلك فقد فسدت روحه وفسد عقله، ولا تزال روح التأمل دافعة للإنسان للتعرف على الخالق والخلق؛ حتى يهتدي إلى سعادته في الدنيا والآخرة.
The post رحلة البحث عن الدين الحق appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست