الخميس، 2 فبراير 2017

ثقفني اون لاين : العروبة المجني عليها

لم أجد في حاضر الأمة ما يشفع لها لمدحها أو التغني بشيء من فضائلها وخصالها، لدرء الهجمة الشرسة التي يشنها عليها أبناؤها قبل أعدائها. فأينما التفتُّ لا أجد في معظم الأحيان إلا آباء رغالًا يتصدرون كل مشهد من مشاهد الأحداث، عابثين بتاريخ الأمة مدنسين لشرفها ومهينين لعظمائها وحكمائها! وحجة البعض منهم أنهم يعملون في السياسة، التي وجدوا فيها «ملجأً» لممارسة كل أصناف الخيانة والجبن والغدر، تحت ذريعة أن السياسة تضع المصلحة قبل الأخلاق، وبذلك يتجنون على المروءة، «دستور» الأمة المكتوب بالأقوال المترجمة لأفعال على مر القرون!

العربي هانئ بن مسعود ابن قبيلة وائل، استجاب لطلب النعمان بن المنذر، وقَبِلَ أن تبقى نساؤه في رعايته، وألّا يسلمهن لـكسرى بن هرمز، إمبراطور الفرس الذي طلبهن لجمالهن بالرغم من علمه المسبق أن الفرس سيجيشون له الجيوش، وقد يقتلونه ويذلون قبيلته ويبعثرون ملكه! لكنه قَبِلَ التحدي بوحي من النخوة التي ميزت هذه الأمة عن غيرها من الأمم والحضارات، وانتصر على ابن هرمز وأذله ولم يقبض ثمن مروءته، إلا أن ذكْره سيبقى عطرًا ما بقي منصف على وجه البسيطة!

أما اليوم فإنهم يسلمون ضيوفًا عندهم، أو ربما يسلمون من لجأ إليهم طلبًا للحماية ولحقن دمه، يسلمونه لعدوه الذي إما أن يعدمه، أو يسجنه ويعذبه! ومنهم من يقتل شقيقه الضيف – في عقر داره – أو يساعد عدوه على قتله، هل رأيتم أخس من هذا الفعل؟ ولحماية نفسه أو ملكه يقف صفًا مع أعداء الأمة، بل ويمول قتل أشقائه: أطفالًا ونساءً، شيوخًا ورجالًا لأن مصلحة بلده تتطلب ذلك كما يزعم، وفي الحقيقة هي مصلحته الشخصية والعائلية التي فضلها على الأخوّة القومية والدينية والتاريخية!

ربما يعرف الكثير من الإخوة قصة «أم عامر»، أو «نوش الخبيثة»، وهي أنثى الضبع التي طاردها قوم في البادية، فلجأت إلى بيت عربي استل سيفه للقتال، دفاعًا عنها، عندما أرادوا قتلها، قائلًا: «لن تصلوا إليها ما ثبت قائم سيفي بيدي»، لأنها استجارت به بدخولها فناء بيته. فرجع القوم وتركوا «أم عامر» التي لم تقابل الإحسان إلا بالغدر، كما يفعل بنو جلدتنا اليوم باسم السياسة، فبقرت بطن مجيرها وهو نائم وشربت دمه، وأكلت أحشاءه! لذلك قيل:

ومن يصنع المعروف في غير أهله *** يلاقي ما لاقى مجير أم عامر

إلا أن أحدًا لم يَلُمْ المجير برغم غدر المستجير! إذا أجار حيوانًا مفترسًا، فكيف بأخ وابن عم أو ضعيف لا حول له ولا قوة؟!

قبائل شرق سوريا لديها «قانون» نصه: «دخل الدخيل وسلم»! أي أنه من استجار برجل من خطر ما، فإنه يسلم من أذى مطارديه، لأن على ذلك الرجل، المجير، أن يحميه بكل ما أوتي من قوة، حتى لو كلفه ذلك حياته!

ولنتذكر الزبيدي اليمني الذي جاء مكة ببضاعة ليبيعها لتجارها، إلا أن العاص بن وائل – أحد أشراف مكة – أخذها منه ولم يدفع له ثمنها، فاشتكاه الزبيدي إلى أشراف مكة الذين انحازوا – كعادة المستبدين في كل زمان ومكان – للعاص! فلم يجد الزبيدي بدًا من اللجوء للكعبة وطلب النجدة من آل فهر وأهل المروءة. وكان من عادات العرب بل من دستورهم غير المكتوب إغاثة الملهوف، فاستجاب لاستغاثته الزبير بن عبد المطلب فنشر الأمر في مكة، فسرت النخوة العربية في عروق بني هاشم وزهرة وبني تيم بن مرة واجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان. وتعاقدت هذه القبائل على ألّا يظلم في مكة أحد وذهبوا إلى العاص واستعادوا بضاعة الزبيدي وردوها إليه. وللتذكير فقد سُمي هذا الحلف بحلف الفضول لأن عددًا ممن أبرموه كان يحمل اسم الفضل مثل: الفضل بن الحارث والفضل بن وداعة والفضل بن فضالة. وبعدها أنشد الزبير بن عبد المطلب:

إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا *** ألا يقيم ببطن مكة ظالم

أمر عليه تعاقدوا وتواثقوا *** فالجار والمعتر فيهم سالم

وحلف الفضول هذا، ربما يُعتبر أول وثيقة لحقوق الإنسان عرفها العرب والعجم قبل الإسلام. أي أن نخوة العرب سبقت حقوق الإنسان الغربية المزعومة بحوالي ألف وخمسمائة عام.

عقر حاتم الطائي حصانه الوحيد لتقديم واجب الضيافة، عندما لم يجد طعامًا يقدمه لضيوفه! وصلاح الدين الأيوبي قدم الدواء لريتشارد قلب الأسد قائد الحملة الصليبية في معركة حطين! اليوم تُرسل المساعدات للـ«أشقاء»، ومعها كاميرات تصور كي لا «ينكر» الأشقاء يومًا أنهم تلقوا معونة من «أشقائهم»! نسوا أو تناسوا: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»!

وفي تراثنا – مرجعيتنا – قصة معاوية رضي الله عنه مع خادمه وردان. إذ سأله، بعد أن تحدث كل من معاوية (رضي الله عنه) وعمرو بن العاص عما تبقى لهما من متع الدنيا وليس الآخرة أي أنها تعبير عن أصالة النفس فقط: «يا وردان ماذا بقي لك من متع الدنيا؟» أجاب وردان: «بقي لي من متع الدنيا يا أمير المؤمنين صنيعة معروف أضعها في أعناق قوم كرام، لا يؤدونها إليّ طوال حياتي حتى تكون لعقبي في عقبهم»! حتى تكون لعقبي في عقبهم! كان وردان على يقين أن معروفه سيبقى طويلًا في نسل من يحسن إليهم ليردوه إلى ذريته!

لم يخطر ببال الإخوة تحت عمليات القتل والتهجير والتجويع في كثير من بلاد العرب اليوم، أن يكون وردان، خادم معاوية رضي الله عنه، مخطئًا في إيمانه الراسخ بدستور العرب في أنهم أوفياء ولن يخونوا من أحسن إليهم، خصوصًا أنهم إخوة الدين والدم! أو أن يكون المستشرق والمؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون كاذبًا عندما قال: «لم يعرف التاريخ فاتحًا أرحم وأكثر تسامحًا من العرب». وقال أيضًا: «إن حضارة العرب المسلمين قد أدخلت الأمم الأوروبية الوحشية في عالم الإنسانية، فلقد كان العرب أساتذتنا. وإن جامعات الغرب لم تعرف موردًا علميًا سوى مؤلفات العرب، فهم الذين مدّنوا أوروبا مادةً وعقلًا وأخلاقًا، والتاريخ لا يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه. إن أوروبا مَدينة للعرب بحضارتها، وإن العرب هم أول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين…». إلا أن أوغاد العرب جنوا على تراثهم الأخلاقي، وخانوا هذه القيم وأصبحوا أكثر وحشية وإجرامًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بأشقائهم وأبناء عمومتهم!

وفي باب آخر من أبواب المروءة العربية، فإن عنترة العبسي، الشاعر الجاهلي، أكد على سمو أخلاق العرب في تعاملهم الاجتماعي، واحترامهم لحقوق الآخرين، وتقديرهم للـ«الخصوصية» – privacy كما ترونها كثيرًا في الإنترنت – التي يعاقب على انتهاكها قوانين الغرب ومحاكمه. بينما لم تكن لتحتاج عند العرب سوى لمعدل متدنٍ من شهامتهم لتجاوز كل القوانين:

وأغض طرفي إن بدت لي جارتي *** حتى يواري جارتي مأواها!

وحتى الصعاليك كان لهم من المروءة واحترام الخصوصية ما لم يدركه الأوغاد اليوم، حيث قال أميرهم، الشاعر الصعلوك عروة بن الورد:

وإن جارتي ألوت رياحٌ ببيتها *** تغافلتُ حتى يستر البيت جانبه!

واليوم شاهدت إعلانًا من امرأة أوروبية تطالب بوقف الحرب على العرب، كتبته – للأسف – على مؤخرتها مبررة ذلك بأنه سيلفت أنظار العرب ليقرؤوه! تخيلوا درجة الاحتقار التي أوصلنا إليها إعلام أوغاد العرب وتصرفاتهم! ولو دخلنا أي «مول» تجاري في بلد عربي، لوجدنا الكثير من الشباب لا شغل لهم سوى إيذاء ما يُفترض أنهن، على الأقل، أخوات الدم!

أبو جهل، ومن لا يعرفه، لم يكن كأوغاد العرب اليوم مطلقًا، بل ربما يكون أشرف منهم وأكثر شهامة عندما حرضه قومه لدخول بيت الرسول صلى الله عليه وسلم عنوة وقتله للتخلص منه، فرفض بشدة قائلًا: «والله لا تحكي العرب أني روّعت نساء محمد»! واليوم يحاصر أولئك الأوغاد إخوتهم والذين كانوا تحت كنف دولتهم – بعيدًا عن دهاليز السياسة – ويمنعون عنهم الدواء والغذاء والسفر!

لن ننسى ما نقرؤه في كتبنا المدرسية وما نتبجح دائمًا به صرخة «وامعتصماه»، التي زلزلت كيان المعتصم، فجهز الجيش «العرمرم» رغم كل المحاذير لإنقاذ امرأة عربية في عمورية، فأنقذ شرف الأمة قبل أن ينقذ المرأة العربية! أما اليوم فعشرات الآلاف من نساء العرب صرخت وما زالت «وا… »، ومئات المقاطع المصورة عن اغتصاب حرائر العرب في السجون وغير السجون، ولا مجيب! لا شيء يستحق شعار: «مسألة حياة أو موت» إلا كرة القدم!

ولكن – الضرورية للاستثناء من القاعدة – للحقيقة وبعث الأمل إن هذه الأمة فيها الخير، هناك الكثير من العرب يتمسكون بدستورهم ويقومون بمد يد العون السخي لإخوتهم، ويقتسمون معهم مرارة جحود الكثيرين، ويواسونهم في مصائبهم ويتمنون زوالها!

وهناك نوع آخر من المروءة، فمنذ بضع سنوات فقط، كاد الغربيون وتحديدًا باراك أوباما أن يقول شعرًا في أخلاق المصريين، عندما لم يمسوا أيًا من منشآتهم بأذى إبان مظاهراتهم واعتصامهم في ميدان التحرير عام 2011، بل قاموا بتنظيف الميدان من كل المخلفات، وعاد أنظف وأجمل مما كان! ولعل هذا ما أثار شيئًا من حفيظتهم، في أن هؤلاء القوم حضاريون أكثر مما اعتقد الغربيون الذين يدّعون الحضارة المدججة بـ«البروباغاندا» الكاذبة، وربما انكشفت «البروباغاندا» المضللة التي عملوا عليها من سنين لإثبات «همجية» العرب، إذ أثبت العرب هنا أنهم شعوب راقية، لو أتيحت لهم الفرصة لأثبتوا ذلك بما لا يدع مجالًا للريبة، لذلك يريدون لمروءة العرب أن تبقى حبيسة نفوس الشرفاء!

كما أن الإعلام الغربي والعربي الذي يحمل بعضه شيئًا من اسم العروبة، لا هم له سوى الإساءة للعروبة وتبجيل الأوغاد عجمًا وعربًا، للأسف! ويركز على ما يقوم به أوغاد العرب من تجنٍ على دستور الأمة، وعنوانه المروءة بكل فروعها، من نخوة وكرم وشجاعة وإغاثة للملهوف، وينحرونه على مذبح الدولار! والأدهى أنهم يساهمون بفاعلية في تزوير الحقيقة، فحتى أطفال العرب ونساؤهم وشيوخهم أصبحوا «دواعش» ويحل قتلهم!

منذ بضعة أيام وقفت نائب – الأجدر أن تكون نائبة – في مجلس يمثل شعبًا عربيًا لتقول إنه على الحكومة أن تفرض رسومًا على الوافدين فقط، ويجب عليهم دفع رسوم حتى على استعمالهم للطرقات والشوارع! بين الوافدين عرب كثير! نسيت هذه الحمقاء ومن هم على شاكلتها في تلك البقعة الجغرافية العزيزة علينا، أن الوافدين علموها ابتداءً من الحروف حتى حصلت على الشهادة الجامعية! وأطعموها الخبز الذي ربما لا تعرف كيف تصنعه و…! بعض هؤلاء التافهين يقولون: «أعطينا الوافدين رزًا لقاء أعمالهم»، وكأنه هو يعمل في بلده «ببلاش»!

تعقيب

كل هذا في العرب؟ إذًا كيف تكون العروبة مركز المروءة؟ يقول المثل العامي: «كل بيت وفيه بالوعة»! إلا أن «البالوعات» كثرت بشكل لافت، حتى إن بعض «البيوت» نفسها تحولت إلى «بالوعات»!

ولكن تبقى العروبة، رغم حقد الأوغاد وجهل الجهلاء، جامعة للمثل العليا، ويكفيها شهادة خير الخلق صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

The post العروبة المجني عليها appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست