شأني شان الكثيرين من عشاق كرة القدم ومهوسي فريق بلده،فيمن يود أن يرى علم بلاده خفاقًا في كل المحافل الدولية رياضية منها، وغيرذلك، ولم لا؟ وقد تنسمنا عبير الوطن صغارًا، وهتفنا بنشيده سنين عديدة، ولكن ينتابنا أحيانًا شعور غامض بأن أحداث الأوطان الجسام مسيطرة على القلب والعقل، فلا طعم لكرة أو تشجيع أو فوز، بل يتساوى الفوز مع الهزيمة في نظر البعض، ويقل الهوس بالمفتون الوطني (فريقنا القومي)، بل أحيانًا ينعدم التشجيع، وقد يتحول الأمر إلى معاتبة البعض منا أصحابه وأصدقائه على مشاهدة بطولة إفريقيا في ظل سوء الأحوال، والناس متعبون أشد التعب، والنظام يمارس الرعب والتقتيل والإرهاب والسجن والتشريد؛ وأحيانًا قد تتحول المشاعر إلى أبعد من ذلك في صورة شاذة عن الطبيعة، وهى تمني الهزيمة لفريق بلدك.
فهل بذلك نكون قد فقدنا الوطنية؟ وهل بذلك أصبحت خائنًا أستحق الإعدام؟ أم أن الوطنية موجودة، ولكن الانشغال بالهم العام هو المسيطر؟
إن تركيبة الإنسان عبارة عن روح وجسد ومشاعر، وإن المشاعر هي الميل القلبي تجاه شيء معين، وبها يتقارب الناس حبًا، ويتباعدون كرهًا؛ فهل الإنسان عندما تتنازعه المشاعر في صراع طويل بين تشجيع فريق بلاده وبين اللامبالاة أو حتى تمني فوز الخصم على بلاده هو إنسان سوي؟
يا سادة إن الأوطان لا تُبغَض، ولكن الأفعال هي التي تُكرَه، وإن الناظر إلى الحال العام يجعل الإنسان يتوقف عن ملاحقة ما كان يهواه، بالرغم من أنه ما زال يعشق تراب بلاده ونسيمه، ويتمنى رفعته، ولكن حال الجيران والأصدقاء من المسجونين والمقتولين والمشردين، وحال المتعبين المعدومين، ينسي ويشغل عن الهوس الكروي، فيخضع الإنسان إلى صراع للمشاعر بين الفرحة لفوز فريقه أو اللامبالاة، بل تمني الهزيمة أحيانًا، وإثباتًا لصراع المشاعر إليكم هذه القصة التي تظهر تغلب الهم العام على الهوى الشخصي، وإن كان القياس مختلفًا، ولكن غلبة الهم هو القاسم المشترك.
تقول فاطمة زوجة عمر بن عبد العزيز عن زوجها الخليفة: سنتان كاملتان لم يغتسل من جنابة، تقول حتى انكسر قلبي، وخفت عليه، وكانت لي جارية حسناء، كان يحبها ويهواها منذ زمن، فقلت أزينها وأهديها له لعله يميل إليها، تقول: ففعلت ذلك، وقلت يا أمير المؤمنين هذه جاريتي؛ أهبها لك! قالت: فنظر إليها، وقال لها: أي بنيتي أتذكرين أهلك! قالت: نعم أذكرهم يا أمير المؤمنين، فقال للساعي اذهب بها إلى أهلها؛ فقد أعتقتها لوجه الله، فنظرت إليه الحسناء الجارية، وقالت: أين حبك لي يا أمير المؤمنين، أين هواك بي، قال رحمه الله: هو كما هو وزيادة، ولكن ما عند الله خير وأبقى.
انظروا يا سادة إلى هم الأمة العام قد أنسى عمر بن عبد العزيز إشباع رغباته وهوى المحبوب.
والسؤال هنا: هل لدينا أصل في هوى الأوطان؟
هذا جانب من تأصيل حب الأوطان؛ حتى لا يتهمنا أحد بعدم الوطنية، إليكم دعوة إبراهيم عليه السلام لوطنه، وإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) البقرة.
وهذه حيرة النبي في تمنى قبلة يرضاها
قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) البقرة
ومن دلائل محبة الأوطان، يقول الأصمعي: سمعت أعرابيًا يقول: إذا أردت أن تعرف الرجل، فانظر إلى شوقه إلى أوطانه وإلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من زمانه. وفي ذلك يقول شوقي:
وطني إن شغلت بالخلد عنه … نازعتني إليه في الخلد نفسي
إذن، فلماذا صراع المشاعر، وقد تملك حب الوطن من قلوبنا؟
يتملك هذا الصراع قلوبًا قد أعياها الحزن لفراق زوج أو سجن صديق أو تشريد قريب؛ فأصبحت مشبعة بالكره لمن كان سببًا في هذا كله، غير مبالية بفوز أو خسارة، سائلة نفسها: كيف يفرح ويتابع مباريات من يرى الإنفاق ببذخ في اتجاه، ويرى شحًا وادعاء عجز، ووعدًا بالفقر في الخطاب الرسمي للنظام؟ كيف يتابع المباريات من يرى سيلًا من الحوافز والمكافآت لفئة، واذلالًا ومعايرة بفقر لفئات أخرى؟
وحتى لا يلام أحد على انشغاله عن متابعة فريقه الوطني وتشجيعه، والفرح لفوزه.
انظروا يا سادة إلى الشأن العام المصري تجدونه ملخصًا في:
– شعب مقهور قد تكالبت عليه ديونه، وهوت به إلى أبعد من خط الفقر بمسافات، فكيف لهذا أن يفرحه هدف، أو تسعده بطولة، وإن حدث ذلك، فهي سعادة مؤقتة، سرعان ما تتبدل إلى أوجاع مستمرة لضيق العيش، وانسداد الأفق.
– شباب حائر بين متطلبات الحياة، وبين قلة الفرص، سواء للتوظيف أو التعليم المميز، هؤلاء يجدون سلوتهم الوحيدة في مشاهدة المباريات؛ علهم بذلك يخرجون من كآبة مستمرة أحاطتهم من كل جانب. فهل يشبعه الهوس الكروي؟ أو هل تنسيه الهجمة المتقنة على فريق الخصم هجمات النظام عليهم؟ أو هل يتلذذ بجمال الهدف ودقة التسديد، ناسيًا تلاطم الأمواج في ليالي الشتاء القارص في رحلة هجرة معلومة النهاية؟ وهل تراقص الكرة في شبكة الخصم قد تنسيه شبكة الأسر التي تحيط بأصدقائه من كل جانب؟
– تفسخ أخلاقي وقيمي غير مسبوق على كافة الأصعدة من تحرش ومخدرات وهدم المقدسات في نفوس الشعب وإعدام الثوابت، هل يرجع هدف لاعب في مرمى خصمه ما أفسده البطش والتخطيط المحكم لهدم الهوية.
– انعدام الرؤية للإصلاح والتخبط الاداري المستشري والواضح أثره على الجانب الاقتصادي في ظل استعلاء الطبقة العليا وزيادة فقر بقية الطبقات.
من هنا كان صراع المشاعر وعدم الاهتمام بالشأن الكروي في ظل تنامي الخراب على الشأن المصري كافة، فلا يلومن أحد منا غيره إن شاهد المباراة، و لا يتهم أحد بعدم الوطنية؛ كونه لا يتابع فريقه، أو عند تساوى الفوز لديه بالهزيمة.
The post فريقنا الوطني.. عذرًا قلبي ليس ملكي appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست