الخميس، 2 فبراير 2017

ثقفني اون لاين : تيران وصنافير.. أدَبُ الأحكام (1-2)

لأحكام القضاء أدبٌ، تكتب به، وتصاغ على هدى منه عبارتُها. وهي – في نهاية الأمر – نصٌّ لغوي ينتمي إلى مفردات وتراكيب العصر ويثوب إلى تاريخ اللغة وآدابها.

على أن ذلك لا يعني أن تتشابهَ الأحكامُ على وجه يدعو للملل والسأم منها. غاية الأمر أن يكون التلوين والتنوع هو طابعها الملتمس، وهذا لا يتحقق إلا بالتزام القاضي – حين الصياغة – بالقواعد الكلية التي اقتضتها أعراف القضاء المصري منذ النشأة الأولى ما وسعه الالتزام بها؛ كانتقاء اللفظ، واستعذاب التشبيه، ووحدة البناء النَّصي (تشبه الوحدة العضوية في أدب الشعر)، والجزالة مع الرصانة، والسلاسة في الأسلوب مع وقار المفردة. وغير ذلك من السمات العامة المترسخة بدأب القضاء وعادته كما وضحَ.

يقول المحامي زكي عريبي* في مقالته الخالدة «لغة الأحكام» المنشورة عام 1933 ما يصف به هذه الحال:

«لكل قلمٍ قوتُه، ولكل كاتبٍ طريقتُه؛ فمن العبث أن نضع قواعد مطلقة لصياغة الأحكام، الأمر قبل كل شيء حسن ذوق وحسن تصرف. ولكن للغة الأحكام مع ذلك مميزات يجب التنويه بها».

وقبل السهو أو الغفلة؛ أريد أن أقول: ليس كل الأحكام نقصد، فالواقع يشهد أسفًا مؤسفًا لتلك الزراية التي وصلت لها حال المحاكم عمومًا. مقصدُ القولِ هي الأحكام التي تصدر من محاكم عليا، التي تقع على قمة المَدْرج القضائي، وعلى وجه التخصيص: الأحكام ذات الحيثية في موضوعها، وذات الحساسية في قضيتها.

خلاصة القول إذن أن ما نرمي إليه من أحكام – ويأتي حُكْمَا تيران وصنافير في الذّروة منها – هي ما تتجلى عبرها المحاكم العليا، على وجه التخصيص، عند كتابة أسباب الحكم، وتتحلى مادتها بقطافٍ دانيةٍ سائغةٍ من البيان، وتَزْدانُ بزخارفَ كلاميةٍ، تزداد حلاوة كلما دعا عمقُ فكرتِها وأصالةُ مَتنِها إلى قدح العقل ومناوشة الأفهام.

باسم الشعب.. حُكْمٌ واحدٌ

باسم الشعب صدر الحكمان حقًا؛ ضربت بهما المحكمتان أروع الأمثال في صدق الكلمة، وصفاء الحكمة، وغايات الفلسفة، ومبدأ الوطنية، هما الحكمان القاضيان بأن جزيرتي تيران وصنافير مصرية.

والحكمان قد أضْحَيا – في القانون والواقع – حكمًا واحدًا؛ بحسبان أن الحكم الصادر مؤخرًا، وهو الحكم الأعلى، قد جاء مُوافِقًا لأسباب حكم أول درجة مؤيِّدًا له فيما قضى به، وهو حكم محكمة القضاء الإداري.

وفي الحق أننا لا نمتدح الحكمين فيما فصلا فيه من استبقاء جزء من تراب الوطن داخل أراضيه، وهو بقطع النظر -والمزايدة أيضًا – خطير جليل، ولكن ليس هذا ما يُفرَد له المقال، إنما يرتكز الحديث على «عِبارة» الحكم ومبلغها من الأدب عامة، والأدب القانوني بخاصة.

ونحن مضطرون – على مضض – أن نُقصر البحث على اصطفاء بديع النص بأجزاء الحكمين، واستبعاد جوانب التأصيل القانوني، وتكييف الوقائع. وإنْ كان من قبيل الإنصاف أن المحكمة لقيَت في ذلك جهدًا جهيدًا، وعناء في بحث الحقيقة تنوءُ بحَمله مجاميع علمية مُعتَبَرة، سيما أنهما أنجزا واجبهما في أشهر معدودات.

الاتفاقية ليست عملًا سياديًا

ولنبدأ من القضاء (الحكم) الأخير. قالت دائرة الإدارية العليا في معرض التأسيس القانوني لانتفاء صفة «العمل السيادي» عن تصرف الحكومة المطعون فيه، مقررةً اختصاص مجلس الدولة بنظر القضية – أخذًا بمفهومٍ جديدٍ أتى به الدستور الحالي:

«لا يسوغ – والحال كذلك – للسلطة التنفيذية إجراء عمل أو تصرف محظور دستوريًا، ويكون لكل ذي صفة أو مصلحة اللوذ إلى القضاء لإبطال هذا العمل، ولا يكون لها التذرع بأن عملها مندرج ضمن أعمال السيادة، إذ لا يسوغ لها أن تتدثر بهذا الدفع لتخفي اعتداءً وقع منها على أحكام الدستور وعلى وجه يمثل إهدارًا لإرادة الشعب مصدر السلطات، وإلا غدت أعمال السيادة بابًا واسعًا للنيل من فكرة سيادة الشعب وثوابته الدستورية وسبيلًا منحرفًا للخروج عليها، وهو أمر غير سائغ البتة».

وفي المناسبة ذاتها، تسترسل المحكمة:

«… وهذا الدستور اسْتُولِد عنه نظام قانوني جديد ألبسَ الفصل بين السلطات ثوبًا جديدًا، وتحددت فيه حدود سلطات الدولة دون تغوِّل من سلطة على سلطة أخرى، وأعلى من شأن حق الإنسان المصري في المشاركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ لبناء دولته الجديدة، مصطحبًا تاريخ مصر الخالد وحضارتها العظيمة وموقعها الجغرافي المتميز، وقِدم عراقةِ شعبها وأصالته، وطبيعته، وطبيعة تكوينه الفريد والمتنوع والذي يمثل سمتًا من سماته ويستعذب أصالتَه كلُ من سَرى في شرايينه مياه النيل مسرى الدم».

بينما دَبَّجَت محكمة القضاء الإداري (حكم أول درجة) في مَعرِضِ التأسيس القانوني لاختصاص مجلس الدولة بنظر القضية، ونفيًا لفكرة السيادة عنها:

«ولا شك أن ما يتعلق بأرض الوطن والسيادة الثابتة عليه هو شأنُ كل مواطنٍ في مصر، والشعبُ وحدَه هو صاحب السِّيادة يمارسها ويحميها، وهو مصدرُ السلطات…، ومن ثم فإن التنازل عن جزء من أرض الوطن أو النيَّل من سيادته ليس من المسائل التي ينطبق عليها المناطُ سالفُ الذكر، الذي أخذتْ به أحكام مجلس الدولة لإدراج عمل من أعمال الإدارة أو قرار ضمن طائفة (أعمال السيادة) والنأي به بعيدًا عن رقابة القضاء».

قول أصيل عميقٌ له جذور في تاريخ الفكر الإنساني العام، وعبارة رشيقة جزْلة، لها مهابة ووقار.

عَدَمٌ لا طائلَ من ورائِه

تتابع التجليات في النص، وتأتي تَتْرَى.

وفي هذا الجانب من الحكم – حكم الإدارية العليا – تَحْمِلُ المحكمة بقسوة على محكمة أخرى سَلَبَت اختصاصَ مجلسِ الدولة، هي محكمة الأمور المستعجلة.

تكاد من شدة البيان ترى العدَمَ في ثنيّة الكلامِ، وتدركَ ما سُويَّ به من المثائل إلى الفناء!

«… وكانت محكمة الأمور المستعجلة بحكمها الصادر في الدعوى رقم… قد تجاوزت حدود ولايتها، وقضت بوقف تنفيذ الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري… فإن حكمها يستوي عدمًا أمام دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا صاحبةِ الاختصاصِ الأصيلِ في نظر الطعن في الأحكام الصادرة من محكمة القضاء الإداري صاحبة الولاية وحدها في وقف تنفيذ حكمها من عدمه، ومن غير المتصور قانونًا أن يكون الحكمُ المنعدمُ مُرتّبًا لأية آثار في محيط العلائق القانونية، ذلك أن انعدامه إفناءٌ لذاتيتِه يقتلعه من منابتِه، ويجتثُه من قواعدِه، ليحيلَه هباءً منثورًا، فلا يولد حقًا، ولا يتعلق به التزامٌ، بعد أن هدم الدستورَ، وجرَّده من كل أثرٍ بعدوانِه على قواعده، وهي التي تسمو على كافة القواعد القانونية، ولا استواءَ له، فليس له من عمد يرفعه، ولا من كيانٍ يقيمه، ولا نصٍ يعينه، بل ينهدم من أساسه ليفقدَ وجوده، وحسْبُه أنه غير شيء».

وفي المناسبة ذاتها تواصل:

«وقد عمدت محكمة الأمور المستعجلة بحكمها المنوه عنه فوق مخالفتها لقواعد الاختصاص الولائيِّ المقررةِ دستورًا وقانونًا كما سلف بيانُه إلى مناقشةِ حكمِ القضاء الإداري محل النزاع ونصَّبت نفسَها محكمةً أعلى لنقضِه وتعديلِه لا قاضيَ تنفيذٍ تتحدد ولايتُه في إزالةِ ما يَعرضُ من عقباتٍ تحولُ دون تنفيذ الحكم متغافلةً أو غافلةً عن القواعد والأطرِ الدستوريةِ والقانونيةِ المنظمةِ لاختصاصاتها مما لا مناصَ معه من اعتبار حكمها عدمًا لا طائلَ منه ومحضَ عقبةٍ ماديةٍ تُنحيها المحكمة المختصة – دائرة فحص الطعون – جانبًا غيرَ عابئةٍ به وهي بصددِ ولايتها بنظر الطعن المعروض».

رسائل من التقريع والتوبيخ، لا تخرج إلى التسفيه والتحقير، إنما تَلبس رداءً من الحشمة والوقار وتأتي في إطار المناسبة، لتنسجم مع قَدَرٍ مقدورٍ لمنصة العدالة!

خطأ تاريخي جسيم وغير مسبوق

«وبهذه المثابة، يكون الإجراءُ الإداريُّ الذي سمته الحكومة المصرية في تقرير طعنها اتفاقًا مبدئيًا بترسيم الحدود – وما نتج عنه من تنازل عن الجزيرتين، أيًا كانت المبررات الدافعة إليه، حال كونهما ضمن الإقليم المصري – مخالفًا للدستور والقانون؛ لورودِه على حظرٍ دستوريٍّ مُخاطبًا به السلطات الثلاث، والشعب ذاته؛ ولانطوائهِ على خطأ تاريخي جسيم – غير مسبوق – يَمسُ كيان تراب الوطن المملوك للشعب المصري في أجياله السابقة وجيله الحالي والأجيال القادمة وليس ملكًا لسلطة من سلطات الدولة، ولذا فإن الحفاظ َعليه والدفاعَ عنه فريضةٌ مُحكمةٌ وسُنةٌ واجبةٌ، فهذا التراب ارتوى على مرِ الزمان بدماء الشهداء التي تُعين وتُرسم حدوده، باقٍ وثابتٌ بحدوده شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، وسلطات الدولة متغيرةٌ. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه إلى هذا القضاء وعضدته هذه المحكمة بأدلته وعظَّمته ورسَّخت بنيانه وقواعده بما وقع تحت بصرها وبصيرتها من أدلة جازمة قاطعة؛ فإنه يكون قد أصاب وجه الحق وصادفَ صحيحَ القانون ملتمسًا حكمَه، ويكون الطعن عليه خليقًا بالرفض».

وهكذا، تنعي محكمة الطعن على الحكومة أخطاءَها وجرائرها.

انظر إلى اللفظ وحلاوته! تذوق الكلام وطلاوته! إن الجسد ليقشعر من البلاغة والإفصاح.

ذلك رجعُ صوت موجّهٌ إلى محكمة الدرجة الأولى، لا تلبث معه محكمة الطعن أن تردِّدَ أصداءَ الحكم الأول الذي أكّد عِصْمَةَ التراب الوطني المشبّع بدماء الأجداد والآباء الأوَل، وحقوق الأجيال الحالية والمُستقبَلة المؤكدة فيه عبر الزمن؛ إذ كانت المحكمة الأولى قد قالت:

«… فأرضُ الوطن لا تخصُّ جيلًا واحدًا من المصريين، وإنما تخصُّ الأمة، التي عاشت عليها أجيال سبقت وستبقى مهدًا لأجيال قادمة يقع عليها أيضًا واجب الدفاع عن هذه الأمة، امتدادًا لما عليه أسلافهم ممن بذلوا أرواحهم، وأريقت دماؤهم، واختلطت بتراب هذا الوطن حمايةً له ودفاعًا عنه؛ لذلك منع الدستور التنازلَ عن أي جزءٍ منه، خاصةً وأن حماية إقليم الدولة ووحدة وسلامة أراضيه هو التزامٌ وواجبٌ دستوريٌّ وقانونيٌّ في عنق كل مواطن من مواطني الدولة، أيًا كان عمله أو موقعه داخل سلطة ما أو فردًا عاديًا، وقد جُبل المواطن على حماية أرض بلاده قبل أن يحضَّه على ذلك نصٌ في الدستور أو القوانين».

إنها فلسفة وحِكمَة تسوقُها المحكمة بحديث عن حقائق الفطرةِ في دائرةِ الجماعة البشرية منذ فجر التاريخ، وترسم حدودَ مسؤولية الأفراد والجماعات داخلَ نطاقِ الدولة بما يمليه حقُ الوطن في واجب الدفاع عن شؤونه – بكلامٍ متماسكٍ رصينٍ مكينٍ لا تجود بمثله إلا مجالسُ القضاءِ من طبقة هذه المحاكم ومستوياتها.

انتهى الكلام، ولم تنتهِ جماليات النص بعدُ. فلننتظر البقية في التَّتِمَّة.

The post تيران وصنافير.. أدَبُ الأحكام (1-2) appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست