منذ قليل استيقظت من النوم، وبينما أبحث عن الهاتف لأتصفح فيسبوك أو أفتح البريد الإلكتروني، أتكاسل قليلًا، أرى العديد من المنشورات والصور عن الثورة وذكرياتها وأحداثها، والأمل في إمكانية استعادتها، واليأس من طرح فكرتها من الأصل. وبينما أنا كذلك، وجدت ابنتي تالا بجانبي، نائمة كأجمل ما يكون الإنسان النائم، قفزت في رأسي أبيات أمل دنقل: كيف ترجو غدًا لوليد ينام..وهو يكبر بين يديك بقلب مُنكّس؟ وكأن عقلي ربط بين هذه الذكرى وابنتي النائمة، فترجم ذلك الربط إلى بيت الشعر هذا!
تنظيف الميدان
لم أكن يومًا ثائرًا، كنت دائمًا شخصًا مطيعًا، وأقول أكثر الكلمات التي يحب سماعها الآباء والأمهات في البيوت، والمدرسين في المدارس، والمديرين في العمل (نعم وحاضر)، وكنت في أثناء الثورة في 2011 أعمل في إحدى القرى السياحية بشرم الشيخ، كنت قد كرهت الزحام والدخان والإزعاج، وكرهت المشاكل والصخب، ففكرت في أبعد مكان يمكنني العيش والعمل فيه فكان جنوب سيناء وتحديدًا شرم الشيخ، وكنت لا أترك شرم إلا في الإجازات وسرعان ما أعود إليها.
ومع اندلاع الثورة، بالرغم من أنني كنت أتابع الأحداث فقط عبر التلفاز أو الإنترنت، إلا أنني كنت أعيش حالة داخلية من الهيام بما يحدث، كنت أشعر أنني منفصل عن العالم، كنت أشعر أنني عُرج بي إلى السماء لأرى ما لا يراه أحد، كنت مهتم بكل التفاصيل التي تحدث وكل الأخبار التي تذاع، كنت كثيرًا ما أصمت، وكثيرًا ما أبكي، وكثيرًا ما أهيم على وجهي أتخيل المستقبل المشرق الذي يصنعه أقراني من أجلي ومن أجل كل من يتابعون عن بُعد مثلي.
وفي أول إجازة، وصلت القاهرة في الخامسة صباحًا، لم أذهب إلى البيت ولكن توجّهت إلى الميدان وكانت الأحداث الجسام قد مضت، ولم يكن هناك إلا شباب يقومون بالتنظيف والدهان والترميم، فقلت هي فرصتي إذن لأشارك في صنع المستقبل، وظللت أشارك معهم في التنظيف بكل حماس وسعادة وكأنني فارس أسطوري يطوي الزمان والمكان محاربًا، ثم جلست بعدها أكتب بعض الخواطر.
محمد منير
كنت في ذلك اليوم في أحد الغرف (نطلق عليه استديو) أقوم ببعض الصيانة، وكان التلفاز يعمل حتى لا يفوتني أي حدث، وفجأة توقف الزمن، وظهر عمر سليمان على الشاشة يتلو تلك الكلمات الخالدة التي أحفظها عن ظهر قلب، وترن في أذني وكأنه يلقيها الآن: بسم الله الرحمن الرحيم، أيها المواطنون، في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد، قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية، وكلّف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد، والله الموفق والمستعان، وهنا لم أجد نفسي إلا ساجدًا لله، يرتعد جسدي من جلال اللحظة، ولم أسمع إلا صوت بكائي من الفرح، وصوت محمد منير، وهو يغني: إزاى ترضيلي حبيبتي؟ أتمعشق اسمك وأنتي.. عمّالة تزيدي في حيرتي، ومانتيش حاسة بطيبتي إزاي؟.. مش لاقي في عشقك دافع.. ولا صدق في حبك شافع.. إزاى أنا رافع راسك، وأنتي بتحني في راسي إزاى؟! وظللت أردد معه هائمًا، أطير بخيالي إلى المستقبل، لأرى كيف ازدهر التعليم، وكيف تم تقدير العلم والعلماء، وكيف ساد العدل، وكيف ضُرب الفساد والظلم، وكيف حكم الشباب وأصبحوا يديرون أمور الدولة، وكيف نربي أطفالنا على الحرية وحب الوطن والموت في سبيله وبنائه، وكيف أصبح الواحد منّا يظل محتفظًا بالورقة في يده طول الطريق ليلقيها في سلة القمامة حتى لا يلقيها في الشوارع التي طهرتها دماء الشهداء، فنخاف أن نلقي ورقة في مكان قد يكون مر منه شهيد، ونخاف أن نسب أو نتلفّظ بالسوء في مكان قد يكون مر منه شهيد. كانت كل هذه خيالات أو سمِّها أوهام عن المستقبل!
لا مؤاخذة الثورة
اليوم، حين أتحدّث مع أحد من عائلتي أو أصدقائي أو زملائي في العمل عن تلك الأحداث والذكريات، تجد أحدنا يقول للآخر، ذكرى –لا مؤاخذة– الثورة، اليوم يجب أن نقول: لا مؤاخذة، قبل كلمة الثورة، يقولها أحدنا للتعبير عن الاعتذار؛ لأنه لم يشارك فيها ولا قبلها ولا بعدها، ويقولها الآخر أسفًا؛ لأنه شارك فيها، وآلت الأمور إلى ما هي عليه الآن، ويقولها أحدهم حنقًا لشهيد فقده في أحداثها، سواء كان صديقًا أو أبًا أو ابنًا أو أخًا، ويقولها أحدهم خوفًا من أن يسمعه أحد من الذين (ربنا يجعل كلامنا خفيف عليهم)، وأقترِح أيضًا أن تُدرج كلمة (لا مؤاخذة) في الكتب المدرسية التي تتحدّث عن الثورة، وكذلك كتب التاريخ والبرامج الوثائقية.
ربما كان هناك الكثير ليُسرّي الشعب عن نفسه في ذكرى اليوم الأول من الثورة، تكون هناك تخفضيضات في أسعار دخول بعض المتنزهات، وكانت هناك مباراة بين مصر وغانا، وربما أجدني أحاول التسرية عن نفسي أيضًا مع النصف الآخر من الشعب، نعم النصف الآخر! قد تكون كثرة استماعي للخال الأبنودي في (أحزانه العادية) قد طبعت في نفسي هذا المعنى، ولكنه بالرغم من ذلك أجده يُسرّي عني حين يقول بصوته الحزين (إحنا شعبين.. شعبين شوف الأول فين؟ والتاني فين؟ وآدى الخط ما بين الاتنين بيفوت، أنتم بعتم الأرض بفاسها.. بناسها، في ميدان الدنيا فكيتوا لباسها، بانت وش وضهر، بطن وصدر، والريحة سبقت طلعة أنفاسها، وإحنا ولاد الكلب الشعب، إحنا بتوع الأجمل وطريقُه الصعب، والضرب ببوز الجزمة وبسن الكعب، والموت في الحرب، لكن أنتم خلقكم سيد الملك، جاهزين للملك، إيديكم نعمت من طول ما بتفتل وبتفتل ليالينا الحُلك!
حين أحكي لابنتي تالا عن أحداث – لا مؤاخذة – الثورة في المستقبل وتسألني ما معنى لا مؤاخذة؟ سأقول لها اقرأي تدوينتي (في ذكرى – لا مؤاخذة – الثورة) وستفهمين.
وسأخبرها أنه ربما لم تنجح تلك الثورة، ولكن هناك شئ ما تغيّر فينا، لا أدري ما هو!
The post في ذكرى -لا مؤاخذة- الثورة! appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست