إنه وفي ظلِّ تلك الأحوال المخزية في حق الأمة والعباد، آثرتُ أن تكون كتاباتي دائمًا ملامسةً لتلك الأحوال، لتعكس في فحواها ما يضطرم به الواقع من ويلات شتّى، أدت لما آلت إليه الأمة من وضعٍ مخزٍ في الوقت الراهن.
وإن هذه الويلات التي من شأنها أن بدَّدت روح الأمة واستقرارها، لم تكن لها أن تتأتَّى بمحض المصادفة أو الشبهة، فثمةَ عوامل رئيسية ومحسوبة أدت لاختلاج تلك الويلات.
فساد العقيدة بعد صلاحها، وامتهان اللغة بعد إكرامها، وتحييد الشباب عن رشدهم، لهي أبرز العوامل المؤدية لانحطاط الأمم؛ بل واقتلاع شأفتها بالكلية.
وإني قد تناولت بعضًا من هذه العوامل في كتاباتي السابقة، إلا أن عامل الشباب لم يزل لديَّ قيد الخاطر، لم يخطُّه قلم، أو ترتئيه عين، وذلك لأسبابٍ قد أوضحها لاحقًا.
كنتُ قد بينتُ أن ذلك العطب الفكريّ الذي أصاب عقول المسلمين في فهمهم لأصول دينهم على مدار التاريخ، هو الخلل الأكبر الذي أدى لتفشِّي الوعي الزائف بين أفرادهم (1). ذلك الوعي الزائف الذي أفضى -وفي نهاية المطاف- إلى فساد عقيدة الأمة وحلِّها، بعد أن كانت راسخةً في أعماق القلوب والوجدان لا مجال لزعزعتها. وامتهان اللغة على لسان متحدثيها من أبناء الأمة وغيرهم، رغم أنها كانت وما زالت من أقوى اللغات، وأغزرها على الإطلاق من حيث المادة والتراكيب؛ إذ يبلغ معجم من معاجمها، الثمانين ألف مادةٍ أو يزيد (2).
وفي هذا ما فيه من الانسلاخ من ثقافة الأمة وميراثها العاصم، والتي كانت -يومًا ما- تذوب في بنيان الإنسان، وتجري منه مجرى الدم لا يكاد يحسُّ به. (3)
ظلَّت هذه العوامل تمثل خرقًا كبيرًا في صرح الأمة وبنيانها، وجُرحًا غائرًا في جسد الحضارة وقلبها، لتتأتَّى على إثرها معضلة الشباب وتحييدهم ويلةً أخرى في سلسلة المخازي والويلات. فما السبب؟!
في الحقيقة قد لا يكون الجواب مستساغًا قبل الشروع في تحليل تلك المعضلة، وتأصيلها من الناحية الفكرية والعملية، ومعرفة ذلك القالب التخديري المُشكِّل لعقلية الشباب.
فإنه وفي خضم السعي بين أكناف تلك الحياة، قد لا يتبادر إلى أذهان الشباب، العديد من الحقائق التي قد لا تبدو ظاهرةً لهم في أغلب الأحوال. قد تلتهي خواطِرهم عن التفكيرِ ولو لبرهةٍ في المآلات التي سوف تأولُ إليها حياة الفرد منهم. قد يعجزون عن تحديد مصائرهم التي يسيرون إليها، حتى وبعد أن تراءت إليهم مصائر المعاصرين المقبلين على النفاد. والأدهى من ذلك؛ أنهم قد يتمكنون -في بعض الأوقات- من تحديد مصائرهم، ويعجزون رغم ذلك عن تعديل السلوكيات التي من شأنها أن تُفضي بهم إلى المصير ذاته.
ذاك المصير الكائن في كهلٍ بائسٍ، محنيّ الظهرِ، مهلهل البنيان لا يقوى على الحراك، هو ذاك العجوز الذي لم يكن له في دنياه من عملٍ صالحٍ يستند عليه؛ فبات ينتظر الموت كفأرٍ ليس له قيمة، محبوس في المِصيَدَةِ لحين إغراقه!
لم يكن لأيٍّ ممن أدركه ذلك المصير إلا أن يتحسَّر على زمنٍ قد أفضى بعد غفلةٍ ماكرةٍ أذهبت معها كل ما يمتاز به هذا الزمن من صحةٍ ممنوحةٍ دول مقابل، وقوةٍ موهوبةٍ تنتظر التوجيه؛ فتراه بين الفينة والأخرى، يتوق للنِّعمِ والعطايا التي كانت بين يديهِ عامرةً مستقرةً يأتيها رزقها رغدًا من كلِّ مكانٍ وبدون مقابلٍ، والتي أفناها في توافِهِ الأُمور وسَفاسِفِها، فبات فيما هو كائنٌ عليه من فأرٍ ينتظرُ حتفه.
ومما لا شك فيه أن واقع الشباب اليوم هو أقرب ما يقود لتلك المصائر المزرية بطبيعة الحال. فثمة تضييع مُمَنهَج لفترةِ الشبابِ، وإفناء محسوب لريحانةِ العُمرِ، وتبديد مُحَطِّم لمكامنِ الطاقةِ، ومواطن القوةِ، وبُنيان الفُتُوَّةِ؛ ليُشَكِّلَ هذا التحطيمُ معضِلَةً فكريةً وماديةً جديدةً تحولُ بين نهضةِ الأمم وازدهارِها.
إن الأمةَ التي بلغت حماقة أبنائِها في تضييعِ زهرةِ شبابهم لهي أمةٌ معدومةٌ بامتياز.
إذ إنَّ فترةَ الشبابِ تلك هي الفترةُ الوحيدةُ الجامعةُ للمُقَوِّماتِ التي يُبنَى على توافُرها قواعدُ النهضةِ والتقدمِ، منَ العلمِ، والجسمِ، والصحةِ، والقدرةِ، والقوةِ بشتَّى أنواعِها؛ قوةٌ عقليةُ تَكمُنُ في التركيزِ والإبداع، وقوةُ نفسيةٌ تَكمُنُ في الهِمَّةِ والإقدام، وقوةٌ جُثمانيِّةٌ تَكمُنُ في السَّعيِ والسَّيرِ والصبرِ والجلَدِ والتَحَمُّل.
وإن النّاظرَ في بنيةِ الأُممِ عبر التاريخ، لن يُراوِدهُ شكٌ في أن الشباب هم عصب البُنيانِ وأساسُه؛ وهذا لا يعني بالتأكيد أن ما دون الشبابِ ليسوا من رُوّادِ نهضةِ الأمم! بالطبعِ لا. فقد لا يَقوى الشبابُ على الحِراكِ والإنجازِ إلا بعد الإنصاتِ والإذعانِ لدعواتِ الحكماء والبُصراءِ من أهل الحكمةِ والخبرةِ المُتوارَثةِ عبرَ الأجيال. وهذا يستدعي دائمًا ضبط البَوْصَلَةِ نحوَ اتجاهِ العُدول من أهل العلمِ، والمعرفة من أبناءِ تلكَ الأمة، السَّابقين منهم والمعاصرين. وليس ثمة اختلاف في هذا؛ إلا أن الشباب ينفرد بنعمةِ الجسمِ التي إذا ما أُضيفت إلى العلمِ صارَ عاملُ الإصلاحِ محتومًا «وزاده بسطةً في العلمِ والجسم»(4) فلم يكن للعلمِ أن يحكُمَ دونَ جسمٍ يُعْليه، كذلكَ لم يكن للفكر أن يَتَحَكَّمَ دونَ قوةٍ تَحميه.
وعليه، فإن العدولَ بتفكيرِ الشبابِ عن ما يجب لما لا يُفيد، هو في الواقع مَكْمَنُ الفساد والإفساد الذي حلَّ بكيانِ الأمةِ ودستورها. فلم يكن لِأمةٍ سَوِيَّةٍ تُرْمَى بالنّيران كلَّ ساعةٍ، ويتساقطُ ضحاياها بالآلافِ كلَّ يوم، أن يَصْفو لها العَيْش لِتَمْتَلِأَ المقاهي بشبابِها لمتابعة المباريات، عِوَضًا عن إعمالِ التفكيرِ وتَهْيِئةِ النفسِ وإقامةِ الاستعدادِ لمواجهةِ تلكَ الضَّرَباتِ بإيمانٍ وحنكةٍ وجسارة. ناهيكَ عن غفلةِ الانْغَماسِ في أوهامِ النفسِ ومثالبها؛ والتي أدت لاختلاق شبابًا رعديدًا خائرًا لا يقوى على الحراك.
ثمةَ عطبٌ فكريٌ بالتأكيدِ، وخللٌ معرفيٌ لا ريب، وانسلاخٌ من حصيرةِ الإيمانِ،حادَ بتفكيرِ الشبابِ من الفاتحين إلى القاعدين، ومن العُلَماءِ والمُفَكِّرين إلى وحلةِ الجُهَلاءِ والتَّائِهين.
ولعل أبرز من تنبَّه لتلك المثلبة قبل الوقوع في أوكارها نبي الله إبراهيم؛ ذلك الفتى المنعوت في القرآن. فلقد استطاع بإدراكه أن يُشكِّل نموذجًا مثاليًّا لعقلية الشاب الواعي وسط أخاديد الجهل الممتدة عبر مستنقعات التيه والظلام.
«وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصنامًا آلهة» (5) تلك العقلية التي تبحث عن الرشد بين أوساط المجتمع الغابر، لم يكن لها أن تترك ما يدور بين أزِقَّتِه من الأفعال غير المعقولة دون إعمال التفكير ولو لبرهةٍ في فحوى هذه الأعمال.
وما يزال إبراهيم في تلك الحال قيد التفكير، والبحث في المعقول، وإنكار ما ليس معقولًا، حتى تبين له ما يرنو إليه«فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَإِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (6).
هنالك عَلِمَ ابراهيم، وتحصَّل على الرشد الذي يبحث عنه «وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ» (7).
عَلِم إبراهيم وترشَّد لينطلق بعد ذلك بين الورى، متخذًا من سلامة الإيمان منهاجًا لدعوته، ومن دماثة الخُلُق نبراسًا لكلمته. انطلق إبراهيم بين الورى غير مكترثٍ لأعباءٍ قد تلحق به من بطش العدو، أو هجر الصديق؛ لِيُسقِط بمِعوَلِه أصنامًا لطالما حجبت نور الهدى عن باحة العقول «فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ» (8).
إن تلك الوجهة التي سلكها إبراهيم في شبابه، لهي في الحقيقة مكمن النجاة التي ترنو إليها النفوس، وشِفرة الحضارة التي تشرئِبُّ إلى بلوغها الأعناق والرؤوس.
وعليه؛ فلم يكن نتاج الراشدين إلا ملائمًا لجنس ما اقترفوه من إصلاحٍ منهاجيّ على الجانب الفكري والعملي.
فكان الجزاء بردًا وسلامًا وسط النيران الحارقة، ونجاةً إلى الأرض المباركة، وذريةً من الصالحين، وإمامةً تهدي الحائرين «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا» (9).
وفي السياق ذاته، ربما لا يختلف نبي الله موسى عن نبي الله إبراهيم؛ فهو الشاب الذي لما بلغ أشده واستوى، انطلق بِمِعوَلِهِ الفكري والعقدي محطمًا أذناب الجهل، والفساد المستشري في قلب الأمة آنذاك. محققًا بذلك دستورًا سماويًّا صالحًا على مرِّ العصور والأزمان، والذي يتمحور بالأساس في الاستعانة والعمل والصبر؛ ليتأتَّى بعد ذلك على إثرهم، إرث الأرض والمجتمع نتاجًا محتومًا (10)، «قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (11).
نيرانٌ تبرُد، وإمامةٌ تهدي، وأرضٌ تُورَّث؛ ربما لا يتأتى ذلك في ظل غيابٍ فكريٍ حادَ بالسواعد العملية عن مربط الفرس، أو بالأحرى حاد بالشباب عن استثمار القوة والفتوة.
قد تختلف الأصنام في هيئاتها على مر العصور؛ فليس بالضرورة أن تكون الأصنام مجرد أحجار، ولكنها قد تكون تلك الجاهلية المخدرة للعقول تحت وطأة المستعمرين، أو المستبدين. وقد تختلف النيران في هيئاتها على مر العصور، ولكنها قد تبرُد وتَسلَم لأولائك العالِمين العامِلين بإخلاص.
ولعل التاريخ حافلٌ بأولائك الشباب الذين سطَّروا المجد لأمتهم بسواعد من نور ظل تأثيرها ساريًا حتى اليوم. أولائك الذين لم تستأثر بأحبالهم صوارف التغريب مغبَّة الانحدار في مستنقعات الذلة، والهوان. وإيضاحًا لهذا أقولُ إنهُ ليسَ بالضَّرورةِ أن يَستأثر التغريب بأحبال الشبابِ بالاعتناقِ، أو التفكيرِ، أو الاتباعِ رُغْمَ كَوْنِهِ مسلوكًا للأسف، ولكن يكفيهِ نجاحًا أن يَصْرِفَ تفكيرهم عمَّا يجب لِما لا يُفيد، ولتَعْقِلوها كَما تَشاؤون.
هذا وإن تأثير صلاحِ الشابِّ في نفسِهِ لا يَقِلُّ أهمية عن تأثيرهِ في الأمة والمجتمع؛ إذ إنَّ تلكَ الفترةِ التي يحْياها الشابُّ لَهِيَ أهمُّ المراحل الفارقة في دنياه وفي آخِرتِهِ؛ ففيها يَستطيعُ إنجاز ما يجعلُهُ مُستَحِقًا للحياةِ من عبادةٍ وعمارةٍ وتزكيةٍ، ومن خِلالِها يَشُقُّ طريقًا لِظِلِّ عرشِ الرحمن «وشابٌّ نشأَ في عبادةِ الله» (12)، وبِنجاحِها يُكَوِّنُ جوابًا لِسؤالٍ محتومٍ «وعن عمره فيما أفناه» (13).
لذا، فإنه ومن منطلق الثقافة وسلامة الفكر؛قد توجَّب على الشباب أن يُدرِكوا تلكَ الَّلحظاتِ الفارقةِ في أعمارِهِم قبل فواتها، وأن يتَسَلَّحوا بمقومات العملِ والإقدامِ؛ من الإيمان الحافظِ لكينونةِ الفرد، والخُلُق القويم المؤثِّر في تركيبة الخَلْقِ، والعلم النافع العامل على نهضة الأممِ، والمعرفةِ البنَّاءةِ القائدةِ لِتوعية الشعوبِ، هذا بالإضافَةِ لامتلاكِ الإرادةِ القويةِ والجَبَّارة وطول النفس في ساحة العمل، والإنجاز.
فذلكم الشباب إن أردتم، فذلكم الشباب.
____________________________________________
The post الحيود بعقلية الشباب.. أزمةٌ فكريةٌ قد تفضي إلى الندم appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست