السبت، 3 ديسمبر 2016

ثقفني اون لاين : استقيلوا وتمردوا

مثال من ويلز يصلح للحياة والسياسة

في عام 1955 أعلن رئيس وزراء ويلز الجنوبية في أستراليا عن مسابقة لتصميم وبناء دار الأوبرا الجديدة، والتي ستصبح معلمًا عظيمًا يضرب به المثل، ومن بين 230 مهندس عالمي تم اختيار «جون أوتزون» المعماري الدانماركي، صاحَبَ المشروعَ تعبئةٌ دعائية وتفاؤلٌ كبير  عن أكبر وأعظم مشروع سيكون منارة وعلما يشهد به العالم، كان المتوقع أن يتكلف المشروع 6 ملايين دولار استرالي، وأن يكتمل بناؤه في يناير (كانون الثاني) 1963، ومع شدة الحماسة والتفاؤل والاندفاع نحو هذا المشروع العظيم ومع الدعاية الكبرى والتوقعات بدأ التنفيذ بالرغم من أن اوتزون لم يكمل بعد التصميمات النهائية، كما أن هناك قضايا هيكيلية ( ربما هذه تحتاج مائة خط ) أساسية لم تحل بعد، لكن الحكومة وقتها ضغطت بشدة للبدء مبكرًا خوفًا من أمور تتعلق بالرأي العام وضغوط اللحظة وضياع التمويل إلخ.

كثيرا ما نُصِرُّ على الإقدام على تحمل مسئوليات كبرى مع التغافل عن المشاكل الهيكلية والجذرية الكامنة داخل الأطر التقليدية، ونخضع لضغوط الأماني والتفاؤل المصطنع والبروباجندا التي تقول إنه يمكننا بنفس الطريقة – مع تعديلات طفيفة – أن نسير بسرعة لتحقيق ما عجز عنه الآخرون.

لم يمض وقت طويل حتى بدأت المشاكل في المشروع ( التي لم تصبح طفيفة )، فيضان ماء وعاصفة مع مشكلات في أرض البناء أظهرت مشاكل أخرى تباعًا منها مثلًا أن أعمدة المنصة لم تكن بالقوة الكافية؛ لتتحمل ثقل السقف واحتاجت إلى إعادة بنائها مرة أخرى ( كم من المشاريع السياسية تبدأ في عمل ثم تحتاج بعده إلى ألف عمل يصلح خطأ العمل الأول )، وبدأت الميزانية في الارتفاع من 6 ملاين إلى 16 مليونا وزاد الجدل والنقد اللاذع بين المهندسين المعماريين والحكومة، وفي النهاية استقال أوتزون وعاد إلى الدنمارك؛ مما ضاعف التأجيل مرة أخرى ( كم من أعمال تتعثر فيختفي أصحابها ويتوجب على الآخرين أن يستمروا ويواصلوا فقط لإصلاح ما عجز عنه الأوائل مهما كانت الكلفة والنتيجة )، أخيرًا انتهى المشروع في عام 1973 وبتكلفة وصلت إلى 102 مليون دولار استرالي ( أكثر من 14 ضعف الميزانية الأصلية !!!! ).

يعلق مينا ثوريسنجهام في كتابه الحياة السرية للقرارات قائلًا «التفاؤل غريزة شديدة الإنسانية، وهي لا تتغلغل في قرارات الأعمال التجارية فقط، بل الحياتية أيضًا، في حين أن تفاؤلنا يمكن أن يحفزنا ويلهمنا للقيام بأعمال عظيمة،  يمكن أن يؤدي أيضًا إلى سوء تقدير ضخم ومكلف كما يظهر من مثال دار أوبرا سيدني».

مما ينقله ديفيد باتريك في كتابه علم النفس السياسي «أن الأفراد عندما يشاركون في صناعة قرار بوصفهم أعضاء في جماعة… قد يختلف عما يعبرون عنه عندما يعملون على انفراد» وربما نضيف أيضا أو قد يختلفون عندما يعملون مع أناس آخرين مختلفين تمامًا عمن اعتادوا مخالطتهم ومعاشرتهم.

بيئة الكيانات التقليدية شديدة التعقيد

بنظرة سريعة إل التيارات السياسة في مصر مثلًا نجد الشباب كالطيور المهاجرة تفاعلوا وتدافعوا داخل أطر تقليدية وسرعان ما انفضوا عنها صفر اليدين، تعاني الكيانات حاليا من حالة إحباط وضيق ونقد لاذع أو انسحاب، كيانات لم تكن مصنعًا يُصنع فيه ثوار أو سياسيّون أو مفكرون أو قادة، كيانات لم تُمكّن الشباب ولم تتطور لتكون طليعة للمجتمع ولديها قدرة على مواجهة الاستبداد والانتصار عليه.

ما الفائدة من كيان لا يؤدي الدور المنوط به ويقاوم أي فرصة أو محاولة لتطويره، من المسلّم به في علم التنظيمات والهياكل الإدارية أن الهياكل خادمة للأهداف والغايات، وليس العكس، فما الفائدة مثلًا من مستشفى ليس فيها غرفة عمليات ولا أطباء متخصصون ولا عناية ولا تمريض، ما الفائدة من شركة هندسية لا تملك مهندسين ولا استشاريين ولا تتعاون مع مقاولين محترفين، ما الفائدة من حزب سياسي ليس له مشروع واضح لاستلام الحكم، وما الفائدة من حركة ثورية ليس لها تصور ونظرية عن الثورة والتغيير.

هل تعلم مثلًا أن الصراعات التنظيمية لجماعة الاخوان المسلمين لم تنشأ في مصر فقط، وإنما في أقطار أخرى متعددة مثل الجزائر والسودان والأردن والعراق وغير ذلك، وأن الحركات والقوى اليسارية كما يقول «وسام متى» لم تسلم من ظاهرة الانشقاقات خلال العقدين الماضيين ( نقلا عن السفير 27-5-2011)، ويكاد يكون الانقسام والانشقاق أصلا مهما اختلف المكان، وبالرغم من اختلاف السياق التاريخي والجغرافي والسياسي، إلا أنهم غالبًا ما يمرون بمثل هذه الصراعات الداخلية بل أشد؛ مما يرجح أن الأساليب وردود الأفعال التقليدية التنظيمية مع جرعات عالية من التفاؤل أوالثقة أو الخطابات الثورية ليست حلًا.

ربما لم تعد الحالة السياسية بحاجة لاستنساخ لينين أو ماركس أو حسن البنا أو مارتن لوثر ولا غيرهم، بل بحاجة لبناء تجارب خاصة جديدة، بدلًا محاولات ترميم تجارب الأجيال السابقة التي ادعت فهمها لرواد سابقين وأنهم حراس لطريقهم ونهجهم، لكن يبدو أن حراستهم كُتبَ عليها أن تدوم طويلا مع مزيد من التشرذم والصراعات الداخلية والانقسامات لصالح الاستبداد والحكم القمعي العسكري.

تمردوا واستقيلوا وفكروا بحرية

لماذا لا ينسحب الشباب من الأطر التقليدية ويتركوها للتقليديين، بحثًا عن تجربة جديدة أرحب يكونون فيها أكثر مرونة وحرية في اختيار تجربتهم وتكوين خبراتهم الجديدة، لماذا لا يأخذون هذا القرار الشجاع مختارين بدلًا من أن يأخذوه – متأخرًا – مجبرين حاملين أذيال الإحباط واليأس فيما بعد.

لماذا نظن أننا لسنا بحاجة إلى تجاربنا الخاصة ونريد كيانات وهياكل وتاريخ جاهز يحتاج من يرثه ويعيد تشكيله، غير أن الواقع يثبت أنه لا أحد يرث هذ التاريخ، إلا ورث معه أخطاءه وعوائقه وعقباته، أليس الانطلاق والتجربة في آفاق أوسع -حتى ولو في مجموعات صغيرة ومشاريع مختلفة ومتعددة – قد يكون أجدى وأنفع، وقد يأتي بنتائج لم تخطط لها التنظيمات الكبرى كما حدث في 2011 مثلًا.

لا تحتاج التجارب والمشروعات الفردية أو الصغيرة كل ما تحتاجه التنظيمات الكبرى من بنية فكرية وأيدولوجية واضحة ومتماسكة، أو أجوبة على كل الأسئلة الكبرى، بل تحتاج ما هو أبسط إلى تجارب نجاح يمكن البناء عليها، فيمكن للترس الصغير أن يحرك تروس كبيرة، ويمكن لمجموعات صغيرة أن تحرك أو تؤثر في شعب بأكمله، ويمكن لمشروع إعلامي أن يؤثر في دولة ونظام حكم، مجالات كثيرة يمكن النجاح فيها بمجهود أفراد أو مجموعات تعجز التنظيمات التقليدية عن تحقيق مثلها في هذا الزمن.

رواد التغيير والمستقبل يحتاجون عقلًا متحررًا لا محافظًا، وأطرًا مرنة لا جامدة، وقيادات دينامكية ميدانية وليست تاريخية، وتجارب عملية ناجحة لا فخرًا بالماضي والأماني، رواد التغيير يحتاجون بناء قدرات خاصة تمكنهم من أدوار وممكنات ونجاحات لم يجدوها في الأطر التقليدية الحالية، لقد كان التحرك الجماهيري منذ 25 يناير (كانزن الثاني) 2011 كاشفًا عن عجز التنظيم التقليدي عن التخطيط لمثله أو عن قيادته وتوجيهه، فهلا بدأتم من حيث انتهى الآخرون.

The post استقيلوا وتمردوا appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست