الثلاثاء، 6 ديسمبر 2016

ثقفني اون لاين : لا تلُم الله

أكتب هذه الكلمات على وجه الخصوص كي أواجه بها نفسي أولًا، ومن بعد أواجه كثيرًا أثق أنهم نفس حالي، وقد يجد الأسوأ من ذلك. فأكثر ما أثار رغبتي للكتابة بالتحديد في هذا السياق هي رؤية الشباب الذي كنتُ أعلمهم تمام العلم، وأعلم طموحهم ورغباتهم، وأحفظ تطلعهم منذ الصغر أراهم على المقهى، ليست واحدة واثنين بل يستمرون في الطوف حول المقاهي من هنا إلى هناك إلى أن يثبت بهم المسار في الأغلب إلى مقهى واحدة تجمع بينهم جميعًا، وتكون في الأغلب قريبة من منازل جميع أعضاء المجموعة، وما زادني بؤسًا أن صبي المقهى أو صاحب المقهى نفسه يحفظ أسماءهم جميعًا، ويداعبهم ويناديهم ويألفون عليه ويألف عليهم وكأنه أصبح واحدًا منهم، أقف دقيقة واحدة، أليس الأحرى بإمام المسجد المقيم بجانب المنزل أن يحفظ هذه الأسماء ويعرفها، وتعرفونه وتجلسون هناك أفضل، وهذا أبسط الحلول وأبسط الأفكار التي ستسُرد بين السطور القادمة.

تبدأ نعم الله علينا منذ أن منّ علينا بإخراجنا من رحِم أمهاتنا وكافة أعضاء جسدنا سليمة، فتنعم أنت أيها العبد الفقير بنعمة السمع والبصر والحركة والتنفس والحس وغيرها، أتحمد الله كل صباح جديد على كل هذه النعم؟ أم اكتفيت عندما ترى شخص تنقصه هذه الأعضاء أو انتقص الله منه هذه النعم كي يعوضها له والله بمزيد من النعم لا تعلمها أنت، وتردد الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به الكثيرين، واعلم تمام العلم أنت يا صديقي المبتلى ليس هو.

لا تلم الله أنك لم تعمل المهنة التي تروق لك وتحبها بسبب بسيط أنت نفسك لا تعلم ما هذه المهنة، لا تعلم شغفك، ولا تعلم بأي وسيلة ستشبع روحك؟ لكن ما تعلمه جيدًا أنك تجلس تضع يدك على رأسك وتردد «ليه يا رب بس متقبلتش في المكان الفلاني؟ ليه يا رب بس مشتغلتش في المنصب الفلان؟ ليه يا رب فلان عنده فلوس وأنا مش معايا فلوس؟» وفجأة تلقي باللوم كله على الله، وأنت تعلم تمام العلم أنك لم تسع بخطوة إلى كل تلك المهام.

لا تلم الله أنك لم تتزوج الفتاة التي أعجُبت بها وارتبطت بها طيلة سنين الجامعة، وأنت تعلم جيدًا أن ظروفك وإمكاناتك لم تتح لك الزواج، ومع ذلك كنت تحلّ لنفسك الخروج معها والتحدث إليها طيلة الليل من وراء أهلك وأهلها، ولم يخطر عليك في إحدى هذه الخلوات أن الجزاء من جنس العمل، وأنك ستنال مما تعمل، ولم تتذكر قول الله «هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ»، وفجأة عندما تصطدم بكل ذلك تترك كل هذه الأسباب وتتجه إلى اللوم الله، وتردد ما عهدت إليه «ليه يا رب متجوزتش البنت اللي بحبها ليه ضاعت مني؟».

أنا وأنت نعلم تمامًا أنك مخيّر في تصرفاتك وسلوكك وأفكارك، وأن الله لم يجبرك على فعل شيء بعينه، فلماذا بعد أن تقع بالفعل تلقي اللوم على الله، وتنسحب أنت تمامًا كأنك منساق واندهشت بالنتيجة التي وصلت إليها.

لا تحدثني عن الظروف والإمكانات وأنت لم تعرف حالي، فأنا مستعد لو أنت تملك الوقت أن أسرد لك أكثر من مائة قصة لأشخاص مختلفة من أجيالنا، ومن أسلافنا السابقين، ومن صحابة الرسول، ومن كل حقبة مختلفة مروا بأسوأ مما تتخيل، واشتد عليهم البلاء أكثر منك لكنهم كانوا يعلمون جيدًا الوسائل والسبل التي تنجيهم لا تزداد بهم ضرًا.

«أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ»، فنفى أن يكون الخَلْق عبثًا بلا غاية؛ لأن الله تعالى خلق الخَلْق لغاية مرسومة ووضع لهم منهجًا يحدد هذه الغاية، ولا يضع المنهج للخَلْق إلا الخالق، ولله المثل الأعلى فالصانع الذي يصنع الكرسي لم يصنعه وهو لم يعرف غايته والأهمية منه ولم يصنعه عبثًا.

فالله خلقك وحدد لك غايتك وحدد إليك السبل المرسومة  كي تصل إليها، فأنت من تعجز وأنت من تصل، فأنت من تعجز عن قراءة القرآن الكتاب والمنهاج المحدد لله الذي يوضح إليك كل ما تحتاجه،  ويعينك على الوصول، أنت الذي قصرّت في معرفة الأمور الحياتية كيف تسير؟ ألم يخطر ببالك ذات مرة ماذا يحدث لك بعد انتهاء هذه الحياة، سأسير معك في جزء من تفكيرك، ستجاوبني إما الجنة وإما النار؟ فكل حسب أعماله.

وماذا في الجنة؟ تستطيع أن تخبرني وتصف لي الجنة، تستطيع أن أعطي لك ورقة بيضاء وتحاول قط مجرد المحاولة أن ترسم ما يطيب لك بالجنة، تعرف عدد الأيام بالجنة، تعرف كيف يصبح المأكل والمشرب وكيف تهيأ المساكن لأصحابها، فكيف ستطمح ويتعلق قلبك بمكان لم تعرف عنه شيئًا، إذًا فهو طبيعي تمامًا أنك لن تتعلّق بالجنة ولا تطلبها.
إذا أخبرتك أن تصف لي النار وكيف يقضون ساكنّها أعاذنا الله تستطيع أن تخبرني، وكيف عن تخيلك لليوم الذي تقضه في النار، فكيف لك أن تخشى من شيء لم تفكر به ولم يخطر ببالك ذات مرة؟

الله يمنحنا العُمر والأيام نعمة ومنحة لنا كي نستغلها ونتقرب إليه وإلى أنفسنا، ليس كي نلقي اللوم عليه في كل ما نصل إليه من نتائج.

The post لا تلُم الله appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست