كلنا نرى لكن لسنا جميعنا نُبصر، حقيقة ننكرها طيلة الوقت مُدعين أننا ندرك الأشياء على قيمتها الحقيقية، ولكننا في حقيقة الأمر قد نكون عماة القلوب والبصيرة، تخدعنا زينة الدنيا ونحن لا نرى منها إلا الوجه القبيح فقط، وربما من لا يرى هو حقًّا من يرى الجمال فيها.
الموسيقار عمرو سليم، هو واحد من عائلة الراحل صالح سليم، العائلة التي يبدو أنها لا تعرف شيئًا سوى القوة والتحدي والإصرار مرورًا بأجيالها المختلفة، هو واحد من مكفوفي البصر وككثيرين غيره سطر قصة حياته بالنجاح وتحقيق حلمه، وبالفعل أصبح واحدًا من الموسيقيين المصريين.
بصراحة شديدة صديقي القارئ، لم أكن قد استمعت له من قبل، وبصراحة أكثر في بداية اللقاء التليفزيوني الذي كان يُعقد معه، وخاصة بعد علمي أنه كفيف تألمت، وكنت لن أستمع إلى الحديث، لكن ظل التلفاز مفتوحًا وتركته، ولم تكن صدفة على الأرجح، بل كانت لسبب ما ستعلمه في آخر المقال.
حل سليم ضيفًا على برنامج «الستات ميعرفوش يكدبوا»، البرنامج الأكثر شهرة ونجاحًا في مصر؛ نظرًا لتميزه الشديد، ولمناقشته كل ما يُهم المرأة من قريب أو من بعيد، رحبت المذيعات الثلاث بالضيف، وبدا الحوار في بداية الأمر تقليدي للغاية، ثم بدأ يتطور ويصبح أكثر متعة إلى أن وصل بي الحال لأسفي على انتهائه، وقد تبدل الحال عن بداية الأمر، كنت أشاهده لكن بالي كان مشغولًا طوال الحديث، هو لا يرى حقيقة أم أنه يرى ولكن بصعوبة، خاصة أن نظراته كانت إلى حد كبير أقرب إلى من يُبصر، كان السر ليس في قدراته الخاصة التي منحها الله إياه، ولكن أنه رفض من داخله الفكرة من جذورها «أن يكون كفيفًا»، وقرر أن يعيش وكأنه يرى، وبالفعل قد نجح في ذلك وبجدارة.
لم تأت قوته من عدم، ولكن نشأته كان لها الجزء الأكبر في تكوين شخصيته، ولخروجه بهذا الشكل من القوة، بالإضافة إلى ما يُملكه من طاقة إيجابية وحس مُرهف ورغبة شديدة في عدم الاستسلام، درسًا في الصلابة والتحمل والأمل والحلم، ولكي تتعلم أن تكون قويًّا في كل شيء.
نشأ سليم في مدرسة داخلية، وكما نعلم ما هي طبيعة العيش في مثل هذه المدارس، فهي حياة قاسية تشبه إلى حد كبير الحياة العسكرية، تعتمد فيها تمام الاعتماد على ذاتك، وتتكون لديك منذ الصغر شخصية مُستقلة، يتمتع بحكمة فكرية وفلسفة خاصة في الحياة، فهو كالصديق الذي تشعر أنه يمكنك الذهاب إليه طلبًا لنصيحته في أي شيء دون تفكير، فهو أحب الحياة بحق لذلك فهي منحته كل شيء.
لم ينفِ ذلك أبدًا مواجهته لليأس والإحباط يومًا، لكنه أبى أن يكون شخصًا عاديًا، وتحدى كل ما قابله من عثرات وصعوبات، ولولا هذا ما أكمل حياته بشكل طبيعي، كافح ودرس وتعلم الموسيقى وأحبها، عمل وتزوج وأنجب أطفالًا، لعب ومرح وركب الدراجات ومشى على الحائط، يستطيع أن يغازل النساء إن أراد، فهو قادر على قراءة شخصياتهن بذكاء مخيف، جاذبًا إياهن إليه بوقار؛ نظرًا لأنه مُقدر لعقل المرأة وطبيعتها، واختيار الأسلوب الصحيح في التعامل معها، فكيف لو كان يراها؟ وكم من رجل يرى ويجهل المرأة ولا يستطيع تحملها أحيانًا، أم أن البعض الآخر ربما يفتقد للحكمة والعذوبة من أساسها.
تدعنا فلسفة الحياة لأن نقول إن الرجل الحقيقي هو من يُبصر سريرة محبوبته، وليس من يرى فقط بعينيه، وهذا ما علمته عندما تركت التلفاز مفتوحًا.
The post ليس كل من يرى يُبصر appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست