أثار فوز ترامب فى انتخابات الرئاسة الأمريكية لغطًا كبيرًا داخل جميع الأوساط الفكرية، فبعد الشعور الأولى بالصدمة، وما استتبعها من حالة من الإنكار، وعدم التصديق، بدأت العقول تتقبل تدريجيًا فكرة أن يكون ترامب فائزًا، وأن قواعد العملية الانتخابية، والتى تم إرساؤها عبر عقود طويلة تسمح لأي مواطن، مهما قد تبدو آراؤه غريبة أو غير مقبولة لدى البعض، أن يترشح، ويصل إلى منصب الرئاسة حال فوزة بأغلبية أصوات المجمع الانتخابى.
وقد أثارت هذه الصدمة محاولات لإعادة التفكير في الكثير من الأمور التى تبدو مسلمات انتخابية للوهلة الأولى، وقد صدر تقرير هام فور إعلان نتائج الانتخابات عن مركز دراسات الإعلام والثقافة والمجتمع ومركز بحوث السياسات والإعلام بجامعة «بورنيماوث» بالمملكة المتحدة، حيث اشتمل على نماذج من هذه المحاولات لإعادة التفكير فى بعض المسلمات، منها على سبيل المثال ما يلى:
المسلمة الأولى: ضرورة موضوعية التغطية الصحفية لحملات المرشحين الانتخابية، حيث أثارت صدمة فوز ترامب التساؤل حول ماهية الموضوعية فى التغطية الصحفية، فعلى سبيل المثال قدم الدكتور «مات كارلسون» أستاذ الإعلام بجامعة سانت لويس تساؤل محدد: كيف يمكن أن يكون الصحفى موضوعيًا خلال معالجته وتغطيته الإخبارية لحملة دونالد ترامب، إذا كان الصحفى يدرك، وعن يقين أن ترامب يمثل تحديًا خطيرًا لمستقبل الولايات المتحدة الأمريكية، وإذا كانت تصريحات أحد المرشحين تتسم بالعنصرية الشديدة، ألا يجعلك ذلك تتساءل داخلك كصحفى قائلًا: هل يستحق هذا المرشح تغطية عادلة وموضوعية؟ بينما يتساءل البروفيسور «برين ماكنير» أستاذ الصحافة والإعلام بجامعة كوينزلاند للتكنولوجيا عن موضوعية الإعلام ما بعد إعلان النتيجة الأولية بفوز ترامب، وفى الحالتين: هل يمكن اعتبار موضوعية الإعلام والاكتفاء بالخبر دون التعليق نوعًا من التأييد لترامب، وهل التزام البعض بالحياد كان صوابًا أم خطأ؟
المسلمة الثانية: أهمية دعم وتأييد الصحف الأكثر انتشارًا للمرشح ليحقق الفوز، حيث أشار البروفيسور «كينيث كامبل» بجامعة ساوث كاليفورنيا أنه لم يحدث من قبل في تاريخ السياسة الأمريكية أن يفوز مرشح للرئاسة تلقى عددًا قليلًا جدًاا من التأييد من الصحف الرئيسة، ففى انتخابات الرئاسة الأمريكية السابقة حصل الرئيس أوباما على تأييد 41 صحيفة من أكبر 100 صحيفة متداولة، بينما حصل المرشح الجمهورى «ميت رومنى» على تأييد 35 صحيفة، وحالف التوفيق أوباما فى تلك الانتخابات. فقد حصلت «كلينتون» على تأييد 57 صحيفة، وبالرغم من ذلك لم يحالفها الحظ للفوز، بينما أعلن عدد قليل جدًا من الصحف تأييد ترامب وحقق الفوز، وهو ما يستدعى إعادة النظر.
المسلمة الثالثة: على المرشح أن يكون دقيقًا ويتجنب الأخطاء، فلكل خطأ ثمنه السياسي، وهى مسلمة أخرى أثبتت نتائج الانتخابات الحاجة إلى إعادة النظر فيها، حيث أخطأ ترامب فى العديد من المعلومات والحقائق وسعت الصحافة إلى توضيحها للرأى العام معتقدة أن مجرد إثبات أو ذكر خطأ المعلومة كفيل بأن يؤثر ذلك على اتجاهات التاخبين التصويتية، إلا أنه كما يقول البروفيسور «مايكل ديلى» أستاذ الاتصال بكلية أنبيرج للإعلام، إن ترامب أثبت أنه يمكن للمرشح أن يذكر معلومات خاطئة، ويمر بها دون أن يدفع أى ثمن سياسى نتيجة لذلك، ويرجع البروفيسور «بيتر فان اليست» أستاذ العلوم السياسية حدوث ذلك إلى عدة أسباب منها: أنه بالرغم من قيام الصحافة بواجبها فى تقصى الحقائق وتوضيح عدد الأخطاء التى وقع فيها ترامب أثناء حملته الانتخابية، إلا أن هناك نوعًا من «النوستاليجيا» لدى الناخبين على النحو الذى جعلهم يتجاوزون هذه الأخطاء فى الأرقام والوقائع، والتى تركز عليها الصحافة الأمريكية من خلال ما يعرف بمحركات تقصى الحقائق فى مقابل ما يعدهم به المرشح من وعود عاطفية، مثل إعادة وطنهم لهم مرة أخرى؛ مما جعل البعض يميل لاعتبار أننا مقبلون على ما يعرف بمرحلة «ما بعد الحقائق»، حيث لا تمثل الحقائق والسرد الموضوعى الدقيق للأحداث آليات فعالة للفوز فى الانتخابات أو للتأثير على قرارات الناخبين.
المسلمة الرابعة: تأييد المشاهير والفنانين عامل مهم فى القرارت التصويتية للناخبين، هذه المسلمة هى الأخرى تحتاج إلى إعادة نظر، فبينما حصلت كلينتون على تأييد عدد كبير من المشاهير منهم الفنانة «ميريل ستريب» و«ليدى جاجا» وآخرون، وبالرغم من أن هؤلاء المشاهير لديهم ملايين المتابعين ويستخدمون «سوشيال ميديا» بكثافة، وبالرغم من أن مؤيدى ترامب كانوا من الأقل حظوة من المشاهير، إلا أن فوز ترامب يجعلنا نتساءل عن هذه المسلمة، تقول الدكتور «نيفز باسيك» من جامعة سوينبيرن للتكنولوجيا، إن تأييد المشاهير يحتاج إلى إعادة نظر فى ضوء نتائج الانتخابات الأخيره حيث اتضح أن مجرد إعلان التأييد ليس كافيًا فلابد من وجود علاقة واقعية تفسر التأييد وتجعله ذا دلالة لدى الناخب، أما التصور السابق أن مجرد وضع صورة النجوم إلى جوار أى مرشح كافيًا للتسويق له أمر أثبت عدم جدوى.
المسلمة الخامسة: المرشح دمث الخلق الأكثر اتزانًا خلال الحملة الانتحابية هو المرشح الأقرب للفوز، وهى مسلمة أخرى أثبتت نتائج الانتخابات أنها تحتاج إلى مراجعة، ففى الوقت الذى تمتعت فيه كلينتون بالصبر والدقة والتزام الحذر فى كل تصريح تدلى به لم يساعدها ذلك، فى حين قدم ترامب نموذجًا مغايرًا لكل ذلك، فأدلى بتصريحات صادمة، وتحدث عن الأقليات بصورة لم يسبقه إليها أحد وهاجم شخصيات، حتى من داخل الحزب الجمهورى، ومر كل ذلك بسلام، ولم يؤثر سلبًا على التصويت لصالحه، الأمر الذى جعل البروفيسور «ديفيد كاربوف» بجامعة جورج واشنطن يسميها انتخابات «لا شيء يهم» حيث يقول: لو كانت التفاصيل السياسية هامة، لو كانت الكفاءة هامة، لكانت كلينتون الآن هي الفائزة، لكن الواقع أثبت أنه لا شيء من ذلك يهم.
فى جميع الأحوال، وكما ذكرنا سالفًا هذه الصدمة أثارت لدى الأوساط الأكاديمية الرغبة فى مراجعة كل المسلمات أو البديهيات المعتادة فى الحملات الانتخابية، وهو أمر سيستتبعه آثار متنوعة، إلا أن الأمر الأخطر فى وجهة نظرى كباحث مصرى هو انعكاسات هذة النتائج على مستقبل الانتخابات وشكل الممارسة الديموقراطية فى العديد من دول العالم التى ترى الولايات المتحدة نموذجا للديموقراطية الغربية، فالأمر الخطر بالنسبة لى أن يؤدى ذلك لصعود موجة من المرشحين الراغبين فى الفوز بأية طريقة ممن يتخذون من سباق كلينتون ترامب، وما آلت إليه من نتائج نموذجًا يحتذى.
فقد يخشون انتهاج العمل الدؤوب عشرات السنين فى العمل السياسى ويتكاسلون عن صعود سلم العمل العام الشاق من بدايته وينتهجون طرقًا غير تقليدية كما انتهج السيد ترامب ويتخذون من شعر بشار بن برد منهاجا حين قال:
خفِّض على عقبِ الزَّمانِ العاقبِ ….. ليسَ النَّجاحُ معَ الحريصِ الناصبِ
تأتي المقيمَ – وما سعى – حاجاتهُ …. عَدَدَ الْحَصَى وَيَخِيبُ سَعْيُ الطالبِ
The post دونالد ترامب: إعادة النظر فى المسلمات appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست