السبت، 3 ديسمبر 2016

ثقفني اون لاين : كأنك لم تُجاهد قط

خُلقنا من الضعف، فمن ضعفٍ إلي قوة ومن قوةٍ إلى ضعف، وما بين الضعفين ضعف، أمام تلك الأمور التي لا نُشفى منها أبدًا، وتلك الخفايا التي ما نلبث أن نتوب منها، حتى نعود إليها، وتلك الأشياء التي تؤرقنا وتنغص علينا حياتنا.

فتجدنا حين نُبتلي بها نخر أمامها كأن لم نُجاهد أنفسنا قط ولم نمنعها، ومحاولة فهم ذلك الضعف، ومدى إمكانية تقويمه هي ما تفرض علينا نفسها الآن.

اليقظة

ينزعج القلب من روعة الانتباه، فتشكو الجوارح لما نزل بها من بصيرة، حتى لم تعد ترى الأمور بقديم عهدها بها، وأدركت حقيقة أن قبل نعمة المأكل والملبس وعافية البدن تأتي اليقظة متفردة، كأول منزلة في تهذيب مدارج السالكين، فإذا تملكت منه يقظته أوجبت له فكرة، وإذا صحت له فكرته أوجبته له بصيرة وعزم، يرى بهما الطريق كما لم يره من قبل.

إرادة لا تكفي

ربما يتولد ذاك الغضب الناجم عن السقوط مرة تلو الأخرى، وتلك العزيمة على عدم العودة لما كان، لكن مهما كانت الإرادة قوية بما يكفي، فإنها وحدها لا تكفي، فحديثُ النفس للنفس، وصراعُ القلب والعقل، وتردد اللسان، ما بين مثبطٍ وعازم، ومنتصرٍ ومتراجع، وعفيفٍ وباطش. تدور أمورنا، فلا مطالب بالتمني، ولا إرادة تكفي صاحبها عن العمل.

البديل

وأمام تلك المنغصات فلا شك أن هذه الأمور تركت فينا جذورًا لها، فما أن تقطع رأس الشجرة؛ حتى يظهر لك جذرها الممتد في أعماق النفس، ولن يزيل اللون الأزرق في إناءٍ ما سوى أكواب أخرى من لونٍ آخر تمحو أثره أو تغيره بالكلية، وكذلك نحن حين يستشري في قلوبنا أمرٌ ما، ويترك جذورًا له؛ يصعب على القلب الإلمام بأبعاد ذلك الأمر، وعلى أنه متأصلٌ فيه، لكن قلوبنا ليست كإناء يستطيع فقد محتواه بسهولة  وإبداله بآخر؛ فطبيعتنا تكره الفراغ، فمتي ما ملأت وعاء قلبك بشئ، فلن يزيله سوي شئٌ آخر يعتاده القلب، ويألفه مرةً بعد مرة حتى يمحو أثر ما قبله، ولكن أي آخر؟

البيئة

مسكينٌ حقًا من يظن أن الإرادة وقوة العزيمة يجب لها أن تُختبر في بيئة تتوفر له فيها كل أسباب السقوط المحتوم ؛ فيضع نفسه – الهزيلة – في موضع يعز عليها الصمود فيه، ثم يطلب منها ثباتًا!                                                       ومن لم يعلم قدر نفسه أوردها المهالك، فمتي ما توفرت لها أسباب الهاوية فستسقط فيها، ومتي ما ذكّرتها بمتعة لحظية كانت تشعر بها في أمرٍ ما فستهفو إليها ثانيةً، ولربما بعض المقدمات البسيطة من عينٍ ضيقة الأفق يظن صاحبها أنها لا تمس موضع قلبه كانت سببًا في سقوطٍ أليم .

الفشل

ومن سُنته – سُبحانه- في كونه أن الاختبار والابتلاء يكون في موطن الضعف لا القوة، فإن كنت مُبتليًا بالكذب، يأتيك موضع لا يُنجيك فيه إلا أن تقول كذبًا، وإن كنت مبتليًا بالغضب تأتيك جرعة غيظ تنتظر من يأذن لها بالخروج. وهكذا، حتي يتبين صدق إقلاعك في كل مرة، وصدق مجاهدتك مع كل نزوة، فتارةً لك وتارةً عليك.

أما الفشل المتكرر، فلا يُورث في صاحبه إلا يأسًا منه، ويُذهب عن القلب، حىي ما كان يشعر به من نشوة ولذة لحظية تُفسد عليه فطرته وإرادته .

السكينة

ندمٌ على ما فات، و إقلاعٌ عنه، وعزمٌ على ألا نعود إليه أبدًا، وبديلٌ يألفه القلب حتى يأنس به في بيئة توفر لصاحبها أسباب الثبات وتعزله عن ماضٍ قبيح، مع مدوامة على تهيئة النفس لاختبار محتوم في أية لحظة، وعلى انتصار يبني لما بعده.

فتجدنا حين نُبتلي لا نخر ولا نبوح، كأننا لسنا من الضعف، وكأن الضعف ليس منا.

The post كأنك لم تُجاهد قط appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست