هل قربت نهاية عصر التكنولوجيا؟ أعتقد أن كثيرًا منّا سأل نفسه هذا السؤال، إلى أين نحن ذاهبون؟ هل تعتمد هذه النهاية فقط على مصادر الطاقة، أو ما شابه ذلك؟ إذًا بافتراض طاقة لا محدودة، هل سنتقدم إلى مالا نهاية؟
إذا كنا بصدد إثبات أن لها نهاية أم لا، أعتقد أننا سنجد اتفاقات واختلافات في أداء العلماء، لكن هل يمكننا إثبات هذه الآراء الفلسفية رياضيًّا أو فيزيائيًّا؟ إذًا أمهل عقلك الناقد بضع دقائق ليحكم؟ إذا نظرنا إلى الأعداد من واحد إلى مائة ستجد تسعة أعداد فقط تتكون من رقم واحد وهم التسعة أرقام الأولى وتسعين عددًا يتكون كل منهم من رقمين، وإذا ممدنا تلك الفترة إلى الألف سنجد تسعمائة عدد يتكون كل منهم من ثلاثة أرقام وهكذا، وبالتالي فإننا سنضع صفرًا مقابل كل رقم يزيد. ما نلاحظه هنا بكل سهولة، أنه كلما زاد عدد الأرقام التي يتكون منها العدد، زاد احتمال وجوده في سلسلة الأعداد اللانهائية، فكم عددًا يتكون من (سبعة وثلاثين رقمًا)، برأيك؟
هل تتخيل أن الإنسان سيصل يومًا إلى درجة من التقدم تصل به إلى معرفة لا يمكن التعبير عنها بحروف أو أرقام واضحة محددة؟ سيقودنا هذا إلى سؤال إجابته لا تقتصر على حدود التكنولوجيا فقط، وإنما كل ما تعرفه البشرية جمعاء من حضارات وفنون وغيرها.
إذًا دعنا نقوم بتجربة حسابية بسيطة لعلها تُمكنّا من قياس تلك المعرفة البشرية التي توَصّل إليها الإنسان أو حتى سيتوصل إليها مستقبلًا، وفي النهاية سواء اتفقت أو اختلفت أعتقد أننا سنصل إلى نتيجة مشتركة.
بمعرفة أن عدد أحرف اللغة الإنجليزية مثلًا هي (26) حرفًا وبزيادة العشرة أرقام سيكون المجموع (36) وبإضافة حرف الفراغ -وهو مكان فارغ ليعطي احتمالًا لوجود كل كلمة إنجليزية سواء اختلف عدد الأحرف أم لا- سيصبح الناتج (37)، إذًا السؤال لك الآن، إذا تخيلت أننا جميعًا نتحدث الإنجليزية باعتبارها لغة العلم الآن، ولا تنس أننا نملك إمكانات -طاقة- لا محدودة، وأيضًا بافتراض وجود سلام بين الشعوب، فبالرغم من أن هذا يبدو مستحيلًا، إلا أنّه يساعد على التقدم الأسرع بدون عوائق، لأنه سيسهل التواصل بين الشعوب بدرجة كبيرة. فهل عندها ستزداد وسنتوصل إلى معرفة لا محدودة، وسنظل في تقدم وازدهار لا نهائي؟ إذا كنت قد درست أو لم تدرس التباديل والتوافيق في الرياضيات، فسيكون من السهل معرفة أن النهاية ستكون قريبة، لماذا؟
كل ما تحويه اللغة الإنجليزية من أحرف وأرقام سيُنتج في النهاية (37^37) مصطلح أو كلمة، وهذا يعادل تقريبًا مائة ألف مرة عدد الذرات في كرتنا الأرضية، وأنت تعلم ما هو حجم الأرض بالنسبة للكون المرئي. فبتحليل هذا العدد، ستجد أنه مليء بكلمات تتكون من أحرف أو أرقام مكررة، وكلمات لا تنتمي لقواعد اللغة أصلًا، وأخرى مدمجة مع أرقام، مما سيجعل هذا العدد في حقيقة الأمر أقل بكثير جدًّا من المذكور، فهل تعلم ما النتائج المترتبة على هذا؟
قبل ذكر النتائج، هل اعتبَارُنا للغة الإنجليزية عادل؟ فلو افترضنا اللغة الصينية مثلًا، سيزداد الاحتمال بكل تأكيد، لكن نحن لسنا بصدد تفضيل للغة عن أخرى، فلو فكرت قليلًا ستجد أنه أمر مثير للدهشة، أن تفترض أن الإنجليزية أو غيرها هي لغات محدودة، وسنتعرض لسبب هذه الدهشة لاحقًا. الأهم هنا أننا سنصل في النهاية إلى رقم محدد وصريح -مهما كبُر فهو صغير، فنحن الآن في عصر الكمبيوتر الكمي فائق السرعة- وبالتالي لن نصل إلى مالا نهاية!
إذا انتابك بعض الملل من هذه الأرقام، أدعوك أن تنتظر قليلًا فالأفضل قادم.
المعرفة البشرية لا يحدّها إمكانات عقلية أو موارد طبيعية، وإنما دائمًا ما تُسجَن في القوالب المصطلحية التي يتم بها التعبير عن أي تقدم أو علم، في الحقيقة هذا السجن يعطينا الحرية، فلا نتخيل أبدًا أن نتطور ونتأسس على شيء ليس له تعريف أو نمط محدد، أو على الأقل قياس أو مقياس فظواهر مثل التشابك أو التراكب الكمّي في ميكانيكا الكم ليس لها تفسير، ولكن لها تعريف واصطلاح وقياس وهذا هو الأهم.
هل نتخيل يومًا تصبح اللغة فيه بلا معنى، أو ليس لها أهمية؟ فهي عاجزة الآن عن الوصف والتطبيق. إذًا كيف سنتواصل؟ كيف سنتعلم؟ فهذا أمر مضحك؟ّ! فاللغة في حد ذاتها ليست إلا وسيلة للتعبير عما يدور في عقل الإنسان، فطريقة التفكير متشابهة ولكن وسيلة التعبيرمختلفة باختلاف اللغات. ما أتحدث عنه هنا هو تغيير بنية التفكير وطريقته وليس اللغة، فالمنطق العقلي نفسه لن يصبح له معنى؛ فلن يكون له وجود أصلًا ليُخَالَف، فمثلًا الخوارق كسوبرمان هذا غير منطقي، ولكن العقل يمكن أن يتخيله ويدركه بل ويحلم لتحقيقه، فغير المنطقي الآن من المؤكد أنه سيصير منطقيًّا مستقبلًا، ولكنّي أتحدث عن وقت لن يكون لمنطقك نفسه استعمال فقد جار عليه الزمن، كأن تتخيّل أنك تتحدث مع كائن آخر، مع أنني أؤمن أنه حتى لو وُجدَ هذا الكائن الخيالي حتمًا سيكون هناك منطق مشترك؛ فهو ينتمي لهذا الكون أيضًا.
فلو اعتقدت أن الدنيا هي آخر ما يلوذ إليه الإنسان، وأنه لا توجد آخرة -حياة مطلقة أو موتٌ مطلق- ففكر مرة أخرى؟ وهل هذا العقل البشري الصغير قادر حتى عندما تستغلّه بكامل إمكاناته على تصور وفهم كل شيء من حوله، أم أنه سجين نفسه؟ أعتقد أن الأشياء المبهمة لنا يجب أن تكون موجودة في مكان ما؛ لأنها بالتأكيد هي المنطق ولكن في كون آخر وحياة أخرى، غير ما نعيشه الآن!
فأنا أشفق على نفسي؛ لأنّي لست فقط كما قال «متشيو كاكو»: «الإنسان ما هو إلا ذرة تحاول فهم نفسها»، ولكنني أحاول فهم العوالم الأخرى، بعقلي الذي أعتقد أنه خصص فقط لفهم عالمه هو وللإيمان بوجود العوالم الأخرى. فمفهوم الفهم نفسه غير محدد، ولن يحدد، وليس له تعريف ولا حدود، وتلك هي بداية تحقيق تلك النتائج.
The post طريقنا إلى اللامنطق حدود المعرفة البشرية: سجن اللغة appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست