الأربعاء، 7 ديسمبر 2016

ثقفني اون لاين : كيف يفكر المعتزلة؟

علم الكلام

للمعتزلة الفضل في إنشاء علم الكلام وترسيخه، وهو علم يتضمن البحث عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، لكن الغالبية تعتبر هذا العلم هو المسئول عن تفرق المسلمين، وابتداع موضوعات لم يتطرق إليها الصحابة، وتحويل الدين السهل إلى مباحث فلسفية معقدة يعجز عنها الغالبية، كما أنه يولي اهتمامًا بأبحاث نظرية لا يترتب عليها عمل، لذا رفضه أغلب الفقهاء، ويعد أهم نقطة خلافية بين المعتزلة والحنابلة.

  1. ليس علم الكلام هو الذي فرَّق الأمة وأراق الدماء، إنما السياسة والتصارع على الحكم هو ما أشهر السيوف وقسَّم كلمة المسلمين، أما الخلاف الفكري فلا يتحمل وزر الدم.
  2. القرآن نفسه حين ساق الأدلة الهادية خاطب العقل، «يا أولي الألباب»، «إن كنتم تعقلون»، كما احتكم إلى العقل واستدعى أسسه المنطقية، «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا»، «أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ»، وقد عرض القرآن استدلال إبراهيم العقلي للوصول إلى الله، إذن فالتنظير للقضايا الدينية وتحليل الأدلة العقلية لوجود الإله ووحدانيته ودلائل النبوة ليس بدعة تناقض الدين، بل هو قوام الدين وعمود الدعوة إلى الله.
  3. الواقع قد فرض على المسلمين أن يخوضوا ذلك المجال، فحين توسعت الفتوحات الإسلامية اختلطت الثقافة الإسلامية بثقافات عدة، فسادت حلقات الجدال والمناظرات في قصور الأمراء، وثارت أسئلة، وكل أهل ديانة يدلوا بدلوهم، فكان لابد للإسلام أن يجيب عليها، وإلا اعتبروا الإسلام لا يصلح إلا للبدو الأميين السذج!

كما أن واقع المسلمين استحدث قضايا جديدة كان لا بد من الإجابة عليها.

ومعلوم أنه كلما زاد المخالفون كلما توسع العلم وزادت الأدلة، فلم يبتدع هذا العلم أبوابًا من الفراغ، وإنما فرضه الواقع.

هنا رأى المعتزلة أن خير وسيلة للدفاع عن الإسلام بل نشره أن ينتقل للآخرين بلغتهم التي يفهموها، فتزودوا بسلاح الفلسفة والمنطق وآليات الجدال والمناظرات، ووثقوا بالعقل، واقتحموا ميدان الفكر، يصولون ويجولون ومعهم العقل والنقل، وبذلك سلك المعتزلة أصعب الطرق؛ لأن من السهل أن يكتفي المرء بالفلسفة مهاجرًا الأديان، والأسهل أن يسلِّم للمرويات الدينية زاهدًا في الفلسفة، أما أن تجتهد لتتدين الفلسفة ويتفلسف الدين فهي التجربة الشاقة التي حملها المعتزلة، وبها أصبحوا رمزًا للثورة الفكرية الحرة، ويدين المسلمون أجمع لهذه الفرقة وقوفها بالقلم حامية هذا الدين من كل نقد وتجريح.

الأخلاق

ليست مبالغة إن قلنا أن مذهب المعتزلة يمكن حصره في كلمة واحدة: الأخلاق، فالمتتبع لأصولهم يجدهم يحومون حول هذا الهدف.

  • هم يعرِّفون الإنسان بأنه: كائن مكلَّف، فالسمة المميزة له هي المسئولية الأخلاقية.
  • ليكون الإنسان مسئولاً عن فعله يحب أن يعلم الخير من الشر حتى لا يتحجج بجهله، فقالوا إن العقل قادر على اكتشاف الحسن والقبح، وبذلك يتحمل الإنسان مسئولية ما يدركه عقله، وبذلك سدوا الباب أمام الهروب من المسئولية الأخلاقية، فمن لم تصله الرسالة فهو مكلف أخلاقيًا طبقًا لما يدركه عقله.
  • كذلك لتتحقق المسئولية الكاملة يعتبرون الإنسان حر الإرادة حرية مطلقة، ومن ثم لا عذر له في ارتكاب الشر، فلا وجود لحجة أن الله أجبرك على فعلك.
  • للحفاظ على الأخلاق يجب ريها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لذلك جعلوه أصلاً من أصولهم، وفرضًا من فروض الإسلام.
  • ولضمان الحفاظ على الأخلاق يجب وجود عدالة في الحساب الأخروي لعقاب المجرم ومكافئة الصالح، وهنا نجد المعتزلة متشددون غاية التشدد؛ فلا يسمحون تحت أي اسم بهروب المذنب من عقابه المستحق، فلا شفاعة في الكبائر، ولا وساطة في العبادات، ولا انحياز لمسلم عن كافر، ولا عفو عن مرتكب كبيرة، لأنهم يعتبرون العفو عن المجرم ليس كرمًا، بل إخلالاً بميزان العدل.
  • يرى المعتزلة أن الحسن لا نأتيه طمعًا في الثواب فقط، ولا نبتعد عن القبح خوفًا من العقاب فقط، وإنما طالما الشيء حسن لذاته فيجب أن نأتيه لذاته، وكذلك ننفر من القبح لذاته.

العقل

يؤمن الأشاعرة أن الفعل الحسن حسن لأن الله أمر به، والقبيح قبيح لأن الله نهى عنه، أما المعتزلة فتؤمن بأن الفعل الحسن حسن لذاته والقبيح قبيح لذاته؛ فالشجاعة والإخلاص والأمانة صفات حسنة لذاتها قبل أمر الله بها، والكذب والخيانة والفحش قبح لذاته، كما تشير آيات عدة إلى حسن أو قبح بعض الأفعال قبل نزول أحكامها، «إِنَّ اللَّه يَأْمُر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر وَالْبَغْي».

ولما كان الحسن والقبح ذاتيين في الأشياء فيستطيع العقل تحديد الحسن والقبيح؛ فنجد العقل يدرك حسن الأمانة وقبح الظلم وحده بالبداهة، ولأن الله يأمر بالحسن وينهى عن القبح، فأمر الله يوافق دائمًا العقل ويستحيل أن يتعارضا البتة.

ولما كان العقل قادرًا على تحديد الحسن والقبح، فهو أحد أدلة الشرع؛ فما أدرك العقل قبحه يحرم فعله حتى لو لم يصله نهي من الله، وبذلك فأهل الفترة ومن لم تصلهم أي رسالة، يُحاسبون على أفعالهم طبقـًا لما أدركته عقولهم، فمن قتل وسرق وكذب فيُعذب لما أتاه من قبح، ومن نصر الحق وساند الضعيف فيجازيه الله لحسن فعله؛ لأن النفس التي تقدم على القبح وهي تعلم أنه قبيح تستحق العقاب، إذن إدراك العقل للحسن والقبح يستحق أن يكون دليلًا للحق يرتضيه الشرع.([1])

وهنا يُثار سؤال: طالما العقل قادر على تحديد الحسن والقبح، ويحرم القبيح ويحل الحسن وحده، فلم أنزل الله الشرع؟

يستطيع العقل إدراك حسن بعض الأفعال وقبحها على الجملة، فالظلم قبيح، لكن بعض الأفعال قد تكون مركبة بحيث يختلف إدراك العقول في حسنها أو قبحها، ولذلك نزل الوحي ليكشف عنها، وبذلك فالدين كاشف لما يجمله العقل، مثلما يرشدنا أحد أن طريقًا ما خطر، فنستبعده؛ فالعقل يرى دفع الضرر عمومًا، لكن ضرر هذا الطريق بالذات لم يدركه العقل وأدركه الرجل، فنتبعه، ولا نقول أننا اتبعناه وتركنا العقل، فلولا حكم العقل بدفع الضرر ما اتبعنا الرجل، ولا نقول أن اتباع الرجل بلا فائدة؛ لأن لولا الرجل ما أدركنا خطر هذا الطريق([2])

ولم يقل المعتزلة بأن العقل أحد الأدلة فقط، بل هو أول الأدلة قبل الكتاب والسنة، لأن بالعقل عرفنا أن الله موجود، وبالعقل عرفنا أن القرآن كلامه، وأن محمدًا رسوله، وبالعقل نفهم كتابه، وقد ساق الله آياته لأولي الألباب، وقد احتكم الله إلى العقل لنعرفه، «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا»، «أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ»، إذن فالإيمان بالدين هو أحد النتائج التي توصل لها العقل، فأي قدح في العقل يعتبر قدحًا في الدين نفسه.([3]) ويقول الرسي: «جاءت حجة العقل بمعرفة المعبود، وجاءت حجة الكتاب بمعرفة التعبد، وجاءت حجة الرسول بمعرفة العبادة. والعقل أصل الحجتين الأخيرتين، لأنهما عُرفا به، ولم يُعرف بهما.»([4])

إذن فقد وضع المعتزلة العقل أول الأدلة، ويجري عليه قواعد الترجيح بين الأدلة؛ فكما أنه يستحيل تعارض نصين قطعيين، كذلك يستحيل تعارض العقل والنقل القطعيين، لكن قد يعارض العقل ظاهر النص، عندئذ يجب تأويل النص، وإذا احتمل النص معنيين، قبل العقل الأول ورفض الثاني، يجب قبول التأويل الأول ورفض الثاني، وكما أنه لو تعارض نص ظني مع نص قطعي يُقدم القطعي، كذلك لو تعارض نص ظني مع حكم عقلي يقيني يُقدم العقل.([5])

أحاديث النبي

للمعتزلة عدة مباديء للتعامل مع الأحاديث النبوية:

  1. التنبيه على وجود أحاديث موضوعة نُسبت زورًا وكذبًا للنبي، ورووا عن شعبة – الذي يُلقب بأمير المؤمنين في الحديث – أنه قال: «ما أنا من شيء أخوف مني أن يدخلني النار من الحديث، لا تكاد تجد أحدًا فتش في هذا الحديث تفتيشي، وقد نظرت فيه فوجدت لا يصح منه الثلث!»
  2. ليس معنى أن الرسول قال الحديث وأن الراوي قد سمعه منه أن الاستدلال به صحيح، فهناك ملابسات قوله والظروف التي قيل لأجلها، والراوي قد يصدق في الرواية ولكنه لا يضع الحديث في موضعه، لأن كتب الحديث قد صنفتها تصنيفـًا موضوعيًا ولا تحفل في الغالب بأسباب ورودها، ويروي المعتزلة عن عروة بن الزبير قوله في أبي هريرة: صدق وكذب؛ أما أن يكون سمع بذلك من النبي فلا شك فيه، لكن منها ما وضعه على موضعه، ومنها ما لم يضعه في موضعه.
  3. هم يطلبون عرض الحديث على الكتاب والسنة العملية، فما وافقهما قبلناه، وما خالفهما رفضناه، ويروون أن النبي قال: «سيأتيكم عني حديث مختلف، فما وافق كتاب الله وسنتي، فهو مني، وما كان مخالفـًا لذلك فليس مني»، وقال: «سيفشون الكذب بعدي، فما جاءكم من الحديث فاعرضوه على كتاب الله».
  4. يميزون بين الأحاديث التي تتعلق بالعلم كالعقائد، والمتعلقة بالعمل كفروع الفقه؛ فيرفضون الاستدلال بحديث الآحاد «الذي رواه واحد أو اثنان وليس جمع كبير» في العقائد، لأنه يتطرق إليها الكذب أو النسيان أو الفهم الخاطيء، لذا فهي ظنية، والعقائد لا تقبل الظن، لكن يقبلون بالآحاد في فروع الفقه.([6])
  5. ولأنهم جعلوا العقل أول الأدلة، فالعبرة بحكم العقل على النص المروي لا بالهالات التي أحاطت بالرواة، فقد يتحد حديثان في السند، ولكن العقل يقبل أحدهما ويصححه، بينما يرفض الثاني ويطرحه.

قال التركاني للجبائي: ما تقول في حديث أبي الزناد، عبد الله بن ذكوان القرشي عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي قال: «لا تُنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها»

فقال الجبائي: هو صحيح.

التركاني: بهذا الإسناد جاء حديث: أن موسى لقى آدم في الجنة، فقال: يا آدم، خلقك الله بيديه، وأسجد لك ملائكته، أفعصيته؟ فقال آدم: يا موسى، أترى هذه المعصية فعلتها أنا أم كتبها الله علي قبل أن أُخلق بألفي عام؟ قال موسى: بل شيء كان قد كُتب عليك، فقال آدم: فكيف تلومني على شيء قد كُتب علي؟! فحاج آدم موسى!

الجبائي: هذا باطل.

التركاني: حديثان بإسناد واحد، صححت أحدهما وأبطلت الآخر؟!

الجبائي: ما صححت هذا لإسناده، ولا أبطلت هذا لإسناده، وإنما صححت هذا لوقوع الإجماع عليه، وأبطلت ذلك لأن القرآن وإجماع المسلمين ودليل العقل يدلون على بطلان.

التركاني: كيف ذلك؟

الجبائي: إن كان ذلك عذرًا لآدم ألا يجب أن يكون عذرًا لكل كافر وعاص؟!

فخرس التركاني.([7])

هكذا نجد المعتزلة خاضوا أصعب الطرق «الجمع بين العقل والنقل»، وتبنوا أخلص المبادئ «الأخلاق»، ليمهدوا طريقًا متسقًا، ليصل إلى إيمان عقلي، وعقل مؤمن.

The post كيف يفكر المعتزلة؟ appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست