في معرض الاستدلال على فوقية الله سبحانه وتعالى وعلوه على خلقه، سقنا أدلة القرآن والسنة وفعل الصحابة خير القرون وأقوالهم، وكذلك مذاهب الأئمة الأربعة لما لهم من مكانة في قلوب وعقول عامة المسلمين، ونحن إذ نسوق الدليل وراء الدليل لا نبغي سوى أن نردّ شبهات من دفع بنفي هذه الصفة عن الله ولبَّس على عوام المسلمين دينهم، وقد قيل: من أعضل المعضلات توضيح الواضحات، فعندما تتوالى الآيات القاطعة والأحاديث الصحيحة وأقوال الصحابة وآراء العلماء، ثم تجد من يخالفها فلا يسعك إلا أن تتمثل قول المتنبي:
|
|
ومما يَعْجَبُ منه النَّاظر في هذا الأمر أن عُلُوّ اللهِ على خلقهِ ارتبط بحادثةٍ يعرفُها عوام المسلمين قبل خواصهم، ويحتفلون بذكراها، وتفرد لها المحاضرات وخطب المساجد، ألا وهي حادثة الإسراء والمعراج، فقد أَسْرَى المولى سبحانه وتعالى بعبده ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» ثم عَرجَ به إلى السماء حتى وصل إلى سِدْرَة المُنْتَهَى «وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ . عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ. عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ» ونحن إذ نستدل على ما ورد بقصة المعراج لن نستند إلا لما ورد بصحيحي البخاري ومسلم لما لهما عند الأمة من قبول.
والإسراء في اللغة هو السير ليلا، وقد أُسْرِيَ به صلّى اللهُ عليه وسلّم ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والمعراج: السُّلَّم. ومنه «تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ» أي: تصعد، و«مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ» قال ابن عباس: أي ذي السماوات، سماها معارج لأن الملائكة تعرج فيها. والحديث في البخاري رواه أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما عن النبي، وفي مسلم رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أتاه آتٍ بدابةٍ بيضاء دون البغل وفوق الحمار، وهو البراق، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبه الرسول صلى الله عليه وسلم، فعرج به إلى السماء ومعه جبريل عليه السلام، فاستفتح جبريل فقيل له: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: من معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بُعِثَ إليه. فَفُتِحَ لهما؟ فاذا فيها آدم عليه السلام، فسلم عليه، ورحب به، ثم صعد إلى السماء الثانية فقابل ابني الخالة عيسى ويحيى عليهما السلام، ثم صعد إلى الثالثة، فإذا بها يوسف عليه السلام، ثم خلص إلى إدريس عليه السلام في الرابعة، ثم هارون عليه السلام في الخامسة، وموسى عليه السلام في السادسة، ثم إبراهيم عليه الصلاة والسلام في السابعة، وفي السابعة رأى البيت المعمور، وهو بيت في السماء يطوف حوله الملائكة كما يطوف بنو آدم بالكعبة، ثم ذهب به إلى سدرة المنتهى وهي شجرة في السماء السابعة، وهي شجرة عظيمة، عندها جنةُ المأوى، وهنا فرض الله عليه الصلوات الخمس وقد خففها الله من خمسين إلى خمس بعد أن تردّد سيدنا محمد بين ربه وبين موسى الذي نصحه أن يسأل الله التخفيف فسأله فاستجاب له ربه وخفف عنا.
في هذه الرواية لا يخالف مخالف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد إلى السماء (ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ) ولا شك أنه رأى الأنبياء الذين ذكرناهم في السماء آدم وعيسى ويحيى ويوسف وإدريس وهارون وموسى، ثم رأى البيت المعمور وسدرة المنتهى في السماء السابعة، ثم خاطبه ربه من فوق سبع سماوات ففرض عليه الصلاة فرجع إلى موسى في السادسة. وفي ذلك يقول الإمام بن القيم في نونيته:
|
|
|
|
|
|
فإن الرسول صلى الله عليه السلم قد صعد فوق السماوات السبع واقترب من ربه، وعرج إليه، وكلمه ربه كما كلم موسى تكليما ففرض عليه الصلوات الخمس بعد أن خفَّفَها من خمسين رحمة بعباده وإحسانا منه تبارك وتعالى.
إن نفاة الصفات يقرون بصحة النصوص التي وردت بها حادثة المعراج، ويدعون الإيمان والتسليم بما ورد في الصحيحين، ولكنهم ينقضون دعواهم هذه بإنكار صفة العلو وعدم التسليم بفوقية الله تعالى على خلقه، وإن الله تبارك وتعالى فوق سماواته، بائنٌ من خلقه، فمن لم يعرف ذلك فقد أبعد النُّجْعَة، وضل عن الطريق، وقدم فهمه السقيم على نصوص القرآن العظيم.
ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لو أنكرتم كون الله مستو على عرشه فوق السماء السابعة ففيم كان المعراج إذاً، ولِمَ يصعد الرسول إليه في علياه إن كان بذاته في كل مكان – على زعمكم – وفي ذلك يقول الإمام الدارمي (ت 280 هـ) في كتابه الرد على الجهمية: «وَمَا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِصَّتِهِ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ، فَعُرِجَ بِهِ إِلَى سَمَاءٍ بَعْدَ سَمَاءٍ، حَتَّى انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا عِلْمُ الْخَلَائِقِ فَوْقَ سَبْعِ سَمَوَاتٍ، وَلَوْ كَانَ فِي كُلِّ مَكَانٍ كَمَا يَزْعُمُ هَؤُلَاءِ، مَا كَانَ لِلْإِسْرَاءِ وَالْبُرَاقِ وَالْمِعْرَاجِ إِذًا مِنْ مَعْنًى، وَإِلَى مَنْ يُعْرَجُ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَهُوَ بِزَعْمِكُمُ الْكَاذِبِ مَعَهُ فِي بَيْتِهِ فِي الْأَرْضِ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ سِتْرٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ، وَتَعَالَى عَمَّا تَصِفُونَ».
إن حادثة الإسراء والمعراج التي يعرفها خواص الناس وعوامهم دليل واضح وقاطع بإثبات صفة العلو لله تعالى ولكن من يعمد إلى التأويل الباطل يريد إنكار ما هو واضح بيِّن، فيكذب محمداً ويصدق الجَهْمَ بن صفوان كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى:
«فموسى صدق محمداً في أن ربه فوق، وفرعون كذب موسى في أن ربه فوق، فالمقرُّون بذلك مُتَّبِعُون لموسى ومحمد، والمُكَذِّبُون بذلك مُوَافِقُونَ لفِرْعَون».
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
The post أين الله؟ في السماء (7) رحلة المعراج appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست