السبت، 3 ديسمبر 2016

ثقفني اون لاين : سياسة الإلهاء الخبيث ج (2)

الجزء الأول من الإلهاء تطرق إلى المعنى بصفة عامة، وعددنا تصنيفاته، ومتى يكون مشروعًا، ومتى يكون غير ذلك، وفي الختام كان الحديث عن مسمى الإلهاء الخبيث، هذا الخبث نال من الخسة والدناءة عند استخدام هذه الآلة المستخدمة «الإلهاء»، ومتى تصل إلى درجة الانحطاط الخلقي؛ ليحمل الإلهاء صفة الدناءة، أو قل ـ تماشيًا مع العنوان ـ صفة«الخبث».

الإلهاء الخبيث

وقفنا في الجزء الأول عند تعريفه، وقلنا: هو وسيلة يتبعها كل من يريد إخفاء إخفاقه مستخدمًا وسائل مشروعة أو غير مشروعة، ساعيًا لإخفاء الحقائق وتضليل العامة وسلب قدرة الرفض منهم.

ففي الإلهاء قد تكون الوسيلة والأداة مشروعة، كمباريات أو حوارات صحفية أو مسلسلات هادفة، ولكن متى تنتاب هذه الوسيلة المشروعة  صفة الإلهاء الخبيث؟

يلعب محترفو هندسة العقول بالوسائل؛ ليتم إلهاء الكافة بصورة جماعية، متى صممت الفكرة المعروضة بطريقة تنافي الدين والقيم والعرف؛ لبث الخلاف والفرقة المجتمعية والاحتراب الأهلي لضمان البقاء.

طرق الإلهاء الخبيث

تتعدد طرق الإلهاء الخبيث التي تمارس لتشمل عدة طرق سنتناولها تباعًا، ومنها:

أولًا: اللعب بالعقيدة والدين

إن شعوبا تأصل فيها الدين، وأصبح مكونًا أساسيًا في حياتها، سيصبح الإلهاء مع شعب كهذا مغرمًا على الساعين إليه؛ نظرًا لصعوبة تحريك المعتقدات لدى هذه الشعوب، لكن حين تعم المشاكل الاقتصادية ويظهر التخبط ويفسد الاقتصاد؛ تقل قيم الدين لحساب الظرف الراهن؛ فتصبح القضايا الدينية ميسورة الاستخدام للإلهاء إذن، والإلهاء هنا سياخذ صفة القذارة؛ لأنه يتعمد اللعب على فطرة وعقيدة وعلى قيم وخلق.

ومن أشكال الإلهاء الخبيث المبني على القضايا الدينية

  • التحزب الطائفي والعرقي.
  • زعزعة الثوابت في العقول والقلوب.

أولًا: التحزب الطائفي والعرقي: إذا قدر لشعب أن يكون به تعدد ديني كسائر الشعوب، فإن الإلهاء هنا سهل ميسور عن طريق اللعب بالأجير، أيا كان هذا الأجير، محسوبًا على أي طرف، والأمثلة على ذلك كثيرة، ويبدأ الانقسام المجتمعي والتحزب على حساب رواسخ قيمية عاشها أبناء الطائفتين لدرجة أنك لا تكاد تفرق بين أفراد الأطياف؛ نظرًا للوحدة الوطنية التي كانت بينهم كما نسميها.

إن اللعب بورقة الفتنة الطائفية والعرقية سوق رائج يلعب به كل فاشل؛ لإخفاء فشله في الإدارة أو ينتهجه مستعمر يريد أن يقصي طرفًا من المعادلة؛ ليستمر في البقاء عن طريق فكرة «الأجير»، والسبب في كون التحزب الطائفي والعرقي سوق رائجة للإلهاء كونه سريع الاشتعال، لهبه لا ينطفئ بسهولة، بالاضافة إلى سرعة انتشاره واستحالة إطفائه في النفوس، فقد يعصف بوطن كامل.

أمثلة حية

نموذج العراق خير مثال على ذلك، فبعد خروج أمريكا منها ظاهريًا، ما تركتها، إلا وقد زرعت مشاكل تبلورت إلى تقسيم العراق إلى أقاليم ثلاثة متمثلة في الشيعة والسنة والأكراد، فكان خروجها ظاهري، الأمر الذي يمهد لاندثار الدولة العراقية بمضي الوقت.

ومن الأمثلة الظاهرة على التحزب العرقي، والذي أدى إلى انقسام حاد دفع لتفكك أواصر دولة، السودان، في ظل خمول وإلهاء الشعوب، نجده تفكك وانقسم على بعضه البعض على مرأى ومسمع من الشعب في ظل إلهاء قاتل مسموم، فنجده أصبح شمالًا وجنوبًا، والسبب في ذلك هو النزاع العرقي، وعدم قدرة المواطن الشمالي أن يتآلف مع المواطن الجنوبي، وأن يمارسا حياتهما سويًا؛ فأحدهما يشعر بالدونية، والثاني يشعر بالفوقية، ونخر الغرب بالإلهاء للشعب والنفخ في أتون العرق؛ حتى انفصل  الجنوب عن السودان الأم، وهذا ما وضح في مقالة نشرت على حلقات تحت مسمى «دور التعصب العرقي في حرب شمال السودان مع جنوبه: أصول النزاع العرقي والقبلي»، للكاتب «نعماء فيصل المهدي»، هذا المقال نُشر عبر حلقات أسبوعية متتابعة  في صحيفة «الأيام» السودانية  مايو ٢٠٠٦.

وقد ذكر الكاتب نصًا «فكلنا في السودان متعصب لقبيلته متزمت لأهله، لا يروقنا حال أهل القبائل السودانية الأخرى، فنتعامل معهم في إطار التهميش والسخرية أو التعالي الثقافي والعرقي أو في أطار الحرب والإبادة. فبدلًا من أن يتحد أهل السودان للاستفادة من موارده بأسلوب الحوار السلمي والتقسيم العادل للثروة والسلطة، شغف أهل السودان بلغة الحرب، وما يترتب عليها من خسائر جسيمة في الأرواح والأوطان والأنعام والمتاع».

ثانيًا: زعزعة الثوابت في العقول والقلوب ومن أثبت تلك الرواسخ، الأمور العقدية التي يصعب زحزحتها، ولكن سياسة الإلهاء الخبيث في هذا السياق قائمة على ضرب تلك الثوابت والتشكيك فيها؛ ليسهل للمجتمع أن يفكر بما يثار، فأقل القليل أن ينشغل بها عما ينتظره من مصاعب وإخفاقات تخفيها الجهات التي تلعب بهذا الأسلوب، أو أن يتم بعدها هدم الباعث الداخلي على الالتزام، وبالتالي تقل المنعة الشخصية تجاه الحرام؛ فتكثر الجريمة نظرًا لفقد الرقيب الداخلي الذي يزرعه الدين ويشكله في النفوس، فيسهل بذلك قيادة الشعوب؛ نظرًا للانغماس في المحرمات، فتنعدم القيمة، ويزداد الفجر والفحش.

وسيلة رخيصة تنتهج لإلهاء الشعوب عما يواجهها من مصير مظلم، ومن الأمثلة على هذا سياسة الإعلام المصري في الفترة الأخيرة والقائم على التشكيك في الآيات والثوابت حتى يألف الشعب ذلك تباعًا أو على الأقل يصبح الحديث في هذا الباب سهلًا ميسورًا؛ فيزداد الإلحاد، وينغمس الكافة في نفق مظلم يلهي عن الحقائق ومرارة العيش التي تنتابهم.

فلا تعجب إذن أن تجد مذيعًا على قناة فضائية يتحدث عن عذاب القبر ذاكرًا أنه لا يوجد عذاب قبر، وأن الشجاع الأقرع ضرب من الخرافات، وهل هو أقرع أم بشعر كما ذكر المذيع من ذي قبل، لا تستغرب أن يأتي متخلف على قناة فضائية ويسمح له بالظهور ويدعي أنه المهدي المنتظر، وتترك الناس همومها وشواغلها والنكبات الاقتصادية المتراكمة على كاهل الشعب، فلا تفكر إلا في حلقة المهدي المنتظر، سواء صدقوه أو كذبوه؛ فهذا كله يصب في سياسة الإلهاء الخبيث، والتي معها تمرر القوانين وتعقد الصفقات وتباع الأوطان، وسر قذارة هذا النوع من الإلهاء أنه دخل على صلب العقيدة فمزقها في النفوس، فلا حرمة إذن لدين، ولا تقدير لمقدس.

تلك كانت الحلقة الثانية للإلهاء الخبيث، وانتظرونا في الجزء الثالث «سياسة الإلهاء الخبيث عن طريق نشر قضايا الشرف».

The post سياسة الإلهاء الخبيث ج (2) appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست