الجمعة، 28 أكتوبر 2016

ثقفني اون لاين : دستور ما بعد داعش

‏«علينا أن نعيد النظر في كثير من المسلمات التي اعتقدنا أنها ثوابت ومن بينها الدستور، ومن المهم أن يعاد هذا العقد الاجتماعي بعد تغير الظروف، ومن المهم أن يتماشى الدستور مع متطلبات المرحلة بمقتضيات الظرف».

جاءت هذه العبارة خلال كلمة ألقاها السيد سليم الجبوري رئيس البرلمان العراقي في ملتقى الشرق الأوسط الثالث للدراسات المنعقد حاليًا في أربيل.

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، تم وضع قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، حيث كان بمثابة دستور مؤقت في العراق، تم التوقيع عليه في 8 مارس (آذار) 2004 من قبل مجلس الحكم في العراق، وبدأ العمل به في 28 مايو (آيار) 2004 عقب نقل السيادة العراقية، من سلطة الائتلاف الموحدة إلى الحكومة العراقية المؤقتة، والتي اعتبرتها قوات الاحتلال حكومة ذات سيادة.

بعد عامٍ ونصف تقريبًا حلّ الدستور العراقي الدائم محل قانون إدارة الدولة، بعدما جرى الاقتراع العام أو الاستفتاء الشعبي على مسودة الدستور، حيث وافق العراقيون على الدستور الجديد في 15أكتوبر (تشرين الأول) 2005 بنسبة تجاوزت 78 بالمئة من الأصوات. وقد أكد الدستور أن جمهورية العراق دولة اتحادية، وأنه لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام.

في فترة الحراك السياسي المصاحب لكتابة نص دستور 2005، كان هناك تعارض أو «صراع إرادات» بين نزعتين، بين نزعة الأغلبية الشيعية من جهة، وبين بقايا عناصر التوافقية في دستور المرحلة الانتقالية من جهة أخرى، الصراع الذي انتهى إلى إقرار دستور 2005، والذي قد قضى على عناصر التوافق الأساسية في دستور المرحلة الانتقالية.

إذا نحينا جانبًا أسباب الموروث الديني لظهور داعش، فيمكن القول إن «داعش» هي نتاج مشكلة سنية في نظام حكم ما بعد 2003، ولهذا يجمع أغلب المراقبين بأنه لا يمكن هزيمة داعش عسكريًا ما لم يتم إصلاح الترتيبات السياسية، الترتيبات التي تعيد مكانة وضع السنة في مؤسسة الحكم، وليس إعادة مؤسسة الحكم للسنة، والفرق هنا كبير.

وثيقة المطالب الـ14 لاحتجاجات المحافظات السنية والتي استمرت لعامٍ كاملٍ (21 ديسمبر (كانون الأوّل) 2012 – ديسمبر (كانون الأوّل) 2013)، ضُمنت جميعها في برنامج الحكومة الحالية (حكومة العبادي) والتي كانت من المفروض أن تعيد مكانة السنة في مؤسسة الحكم، لكن أيًا من تلك المطالب لم ينفذ.

والسبب ليس مجرد أنه ليس هناك إرادة سياسية لتنفيذ تلك المطالب فحسب، لا بل هناك صراع وخلاف داخل النخبة السياسية الشيعية الحاكمة حول تلك المطالب. جزء كبير مما يحصل حاليًا في بغداد، والفوضى السياسية في إدارة البلد، مرتبط بهذا الخلاف أو هذا الصراع، وشكل التنافس السياسي أو التدافع حول السلطة مع السنة، هذا من جهة، وبكيفية عزل الصراع العسكري مع داعش من جهة أخرى.

بدليل تأكيد كلام السيد عمار الحكيم رئيس التحالف الوطني الحاكم في نفس الملتقى المنعقد حاليًا بقوله: «إنني أؤمن شخصيًا أن أفضل أوقات الحلول التاريخية تتوفر عندما تصل الأمور الى نقطة الانجماد السياسي». وهذه رسالة يمكن أن تُفسر بأنها مقدمات لترتيبات سياسية جديد بعيدة عن وجهة نظر اليمين الشيعي المتطرف إذا صح التعبير.

لهذا يبدو أن العودة الأمريكية للعراق وتمركزها في قواعد إستراتيجية، ما هي إلا من أجل وضع الترتيبات العسكرية في الحرب ضد داعش، والتي باتت تقع تحت إدارة الأمريكان  بمعزل عن تلك «الفوضى» السياسية التي يتدخل فيها الجميع. فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ ترتيبات معركة الموصل تحديدًا، قد تكون ليس من أجل دعم ترتيبات حملة الديمقراطيين في الانتخابات الأمريكية فحسب، بل من أجل عزل تلك الترتيبات العسكرية بعيدًا عن حراك الترتيبات السياسية وبعيدًا عن الفوضى الخلاقة التي تحكم المشهد العراقي بعد الاحتلال.

ما أريد أن أصل إليه، هو أنه هناك سؤال جوهري وإشكالي في نفس الوقت، تتغافل أو تتحاشى نقاشه النخب السياسية الشيعية كما يبدو، ولا تريد الإفصاح عنه في سجالاتها المعلنة وهو؛ ما هو تعريف السلطة الشيعية في بلد متعدد الطوائف والهويات؟ ما معنى أن أحكم باعتباري شيعيًّا في نظام الشراكة الوطنية أو التوافق السياسي أو التمثيل النسبي؟ وكيف يتم إصلاح هذا النظام في ظل طبقة سياسية شيعية، ما زالت تؤمن بإمكانية استمرار هذا النظام؟ عبر آليات ظاهرها تدعي الإصلاح، وباطنها تدوير المشاكل والأزمات.

من هنا يمكن أن نفسر بأن أيّ تصعيدٍ داعشيٍّ أو أيّ خرقٍ أمنيٍّ قد يحدث، ليس مرتبطًا بالتقدم العسكري في الحرب ضد داعش فحسب، بل مع أيّ مناقشةٍ أو نيةٍ أو حتى رغبةٍ لتنفيذ جزءٍ من تلك المطالب. ليضعف ذلك من عزم الحكومة ويحرج النخبة السياسية الداعمة لنضوج مثل هذه الترتيبات، ويضغط باتجاه عرقلة عقد أي تسوية للصراع الطائفي، وهو ما يحدث منذ سنتين، وهو عمر الحكومة الحالية تقريبًا.

غايتي من هذا كله هو؛ إذا أرادت الحكومة استيعاب صوت المحافظات ذات الاغلبية السُنية -التي كانت تسيطر عليها داعش- في المشهد السياسي، الصوت الذي تشوّه وتشتّت بسبب الإرهاب من جهة، وخلافات الطبقة السياسية التي أنتجتها الصدفة، وليس الاختيار الديمقراطي لتلك المجتمعات من جهة أخرى.

فعليها أن تضع أمامها أمرين:

الأول: العملية السياسية وأدواتها كلها أصيبت بالشلل، منذ أن صادر المالكي نتائج انتخابات 2010 وغيّرها لصالح حزبه وميليشياته، ولهذا من الضروري وضع هذه «العملية السياسية» كلها على طاولة التشريح، بقوانينها وتشريعاتها وأحكامها.

الثاني: هو باعتقاد الجميع أن الحديث عن مراجعة شاملة للدستور الحالي -الذي كتب في ظروف سياسية وأمنية أقل ما توصف به هو أنها غير طبيعية- هي مراجعة ثبت أنها لم ولن تجدي نفعًا، ولهذا علينا إعادة كتابة دستور جديد -عقد اجتماعي- برعاية أممية لمرحلة ما بعد داعش.

هذان الأمران هما العمود الفقري الذي تستند عليه أي عملية سياسية سليمة لإقامة دولة عراقية متماسكة وموحدة.

The post دستور ما بعد داعش appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست