السبت، 29 أكتوبر 2016

ثقفني اون لاين : تراجع النفوذ الأمريكى في المنطقة..ومستقبل التكتلات السياسية في ظل صعود الدب الروسي

  • لا أستطيع الجزم بمدى فاعلية السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية الحالية في منطقة الشرق الأوسط؛ فتارة يصيبني شعور بأنها إدارة ذكية جدًا تعمد إلى نقل الصراع لبعد آخر دون الحاجه إلى المزيد من النفقات التي ترهق الخزينة العامة للولايات المتحدة، من خلال زيادة نفقات الحرب في منطقه الشرق الأوسط، وذلك عن طريق ما يسمى بـ«الحرب بالوكالة»، وهو الأمر الذي يؤدي إلى استنفاد قدرة الخصوم الاقتصادية والعسكرية، وتاره أخرى أشعر بأن هذه الإدارة متخاذلة، أو أنها أرهقت بفعل سياسات الإدارة السابقة لها، بعد تورطها في حربين باهظتي التكلفة كبدتاها خسائر فادحة في الأموال والأرواح.

لكن، وحتى نستطيع فهم رؤية الإدارة الأمريكية، فعلينا أن ندرك أبعاد الصراع جيدًا؛ لنقف على حقيقة ما يحدث من حولنا، ولنتمكن من ضبط بوصلتنا، ومعرفه موقعنا من هذا الصراع.

في تقرير بارز للكاتب السياسي «آرون ديفد ميللر» الخبير والمختص بشئون الشرق الأوسط بمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية بتاريخ 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2013، أرجع الكاتب أسباب تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة إلى ست نقاط رئيسة، سنذكرهم في عجالة.

1- انتهاء الحرب الباردة وزوال فزاعة الإرهاب

اعتبر الكاتب أن زوال فزاعة الإرهاب التي خلقتها أمريكا من أجل مواجهة النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط، وحماية إسرائيل، خاصة بعد تنامي قوة إسرائيل، أنتهى دورها؛ إذ لم يعد لها مسوغ.

كما أنه يرى أن مرحلة الحرب الباردة، هي الأخرى انتهت، والدليل أن الولايات المتحدة أزالت أنظمة حليفة للروس كنظام «صدام حسين» و«القذافي»، دون أن يعترض الروس على هذا، وهو ما يؤكد انقضاء حقبة الحرب الباردة، ويزيد فرص تراجع الدور الأمريكي في الشرق الأوسط.

2- عدم الرغبة في التورط العسكري الأمريكي في المنطقة

ويفيد الكاتب بأن لا أحد في واشنطن يرغب بالتورط في حرب جديده بالشرق الأوسط، بالرغم من استعداد الجيش الأمريكي لتنفيذ قرارات الرئيس فيما يراه في صالح الأمن القومي الأمريكي، إلا أن «ميللر» استشهد بموقف الكونجرس الأمريكي، على الضربة المحتملة التي كان «باراك أوباما» يرغب في توجيهها لسوريا، خاصة بعد معاناة الشعب الأمريكي في حرب العراق، ومن قبلها الحرب الأفغانية.

3- ثورة محتملة في مجال الطاقه تقلل الاعتماد على النفط العربي

ويرى الكاتب أن المؤشرات تفيد بحدوث ثورة في مجال الطاقة في أمريكا الشمالية؛ مما يقلل الاعتماد على النفط العربي، وأوضح أيضًا أنه للمرة الأولى منذ ربع قرن ازداد حجم إنتاج النفط بشكل حاد إلى جانب الزيادة في إنتاج الغاز الطبيعي، وتؤكد المؤشرات أن الولايات المتحدة ستكون جاهزة لإنتاج 10 مليون برميل من النفط يوميًا في عام 2020، وهو حجم الإنتاج السعودي الحالي. كما أفاد أن البعض يتوقع أن تصبح أمريكا أكبر منتج للنفط والغاز خلال العشرة أعوام المقبلة.

4- خسارة واشنطن لحلفائها العرب

يشير الكاتب إلى أن السبب الرابع في انحسار النفوذ الأمريكي يرجع إلى خسارة واشنن لحلفائها العرب في الشرق الأوسط، ويتجلى هذا إبان ثورات «الربيع العربي» التي أطاحت بأنظمه حليفة لواشنطن، كنظام «بن علي» بتونس ومبارك في مصر، و«علي عبد الله صالح» في اليمن، ويفيد الكاتب إلى أنه على الرغم من بقاء الملوك العرب كحلفاء لواشنطن، مثل السعودية، إلا أن هناك مشاكل كبيرة بين هذه الدول، وبين السياسة الخارجية لأمريكا، بداية من تصعيد رئيس وزراء شيعي بالعراق «نوري المالكي»، والإطاحه بـ«مبارك» في مصر، وصولًا إلى موقف أمريكا من القضية الفلسطينية، وعدم أخذ موقف متشدد من إسرائيل، ولعل هذه المره الأولى منذ نصف قرن تجد أمريكا نفسها، بدون شريك عربي حقيقي. كما اعتبر المحلل أن تعليق واشنطن لجزء من المساعدات الأمريكية لمصر أبعد كل الأطياف المصرية عن واشنطن ابتداءًا من الجيش والليبراليين، وحتى الإسلاميين، ورجال الأعمال.

5- تنامى قوه إسرائيل أكثر من أي وقت مضى

أشار التقرير أن تنامي القوة الإسرائيلية والاستقلالية التي باتت تحظى بها جراء الدعم الغربى المستمر لها، وفي ظل العجز العربي جعلها الأكثرة قوة وأمانًا في المنطقة من أي وقت مضى، ويشير الكاتب أن إسرائيل لم تكن تابعة أبدًا للولايات المتحدة على العكس، فإنها في حال فشل الجهود الدبلوماسية مع إيران، وفي حال تصرفت إسرائيل بشكل أحادي، وأرادت توجيه ضربة عسكرية لإيران، فإن ذلك سيعد دليلًا على عجز واشنطن في استغلال نفوذها بالمنطقة.

6- إمكانية الوصول إلى حلول دبلوماسية للصراعات بالمنطقة

واستشهد الكاتب بخطاب الرئيس الأمريكي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي أبدى فيه استعداده للانسحاب من المنطقة، وتعهده بإيجاد حلول للأزمة النووية الإيرانية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي كما أشار أنهم على رأس أولويات سياسته الخارجية في فترة رئاسته الثانية، وأفاد الكاتب إلى أنه من صعوبة إيجاد تسويات لهذه القضايا، إلا أنه يعتقد أن بعد إيجاد حل لمسألة السلاح الكيميائي السورى بين واشنطن وموسكو، فإنه يمكن عمل أي شيء.

*لعلي أميل إلى هذا الطرح، وأعتبره موضوعيًا بامتياز، ولكن أعتقد أن هناك أسبابًا أخرى أرغمت الإدارة الأمريكية الحالية على هذا التراجع الملحوظ. يمكن أن نعي جل هذه الأحداث إلى قوة موسكو المتنامية، هي وحلفاؤها العسكريين، الأمر الذي يضع إدارة أوباما ما بين مطرقة الروس، وسندان المصالح والنفوذ في الشرق الأوسط.

فلا يجب إغفال حجم المشاكل التي واجهتها إدارة أوباما على المستوى الاقتصادي، وعلى المستوى الشعبي الذي يرفض أي تدخل أمريكي جديد في الشرق الأوسط في هذا التوقيت بالذات، حيث لا تزال ذكريات حربي العراق وأفغانستان شاخصه أمام أبصار دافعي الضرائب الأمريكيين، والذين تكبدوا خسائر ضخمة جراء اضطرارهم لتمويل نفقة هاتين الحربين.

يمكننى القول إن إداره «أوباما» تحملت تكاليف تهور إدارة «بوش» الرعناء في الشرق الأوسط، حيث إن الرئيس الأمريكي الأسبق استنفد كل الخيارات المتاحة، فلم يعد أمام أوباما، إلا أن يعمل على هيكلة وصياغة السياسة الخارجية للولايات المتحدة في حدود الإمكانات المتاحة وفي سعي حثيث منه للإبقاء على القدر الممكن من الهيبة والنفوذ الأمريكي في المنطقة مستغلًا الأحداث الجارية في ظل تفاقم الأزمة السورية والاضطرابات التي تسود العراق، ومناخ عدم الاستقرار الذي يضرب ليبيا والحرب الدائرة باليمن، وعدم الاستقرار السياسي بمصر، ويأمل أوباما في الإبقاء على حلفائه الخليجيين، والذين يتمتعون بنفوذ واسع في المنطقة، ناهيك عن ثراء الخليج، والذي يمد العالم بما يقارب من 50% من النفط.

حقيقه الأمر أن الملف السوري يسبب لإدارة أوباما صداعًا مزمنًا، فبعد أن فشلت واشنطن في احتواء الروس إبان الأزمة الأوكرانية في 2008، حينما وقف البرتقاليون كحجر عثرة أمام صادرات الغاز الروسي، وفي الوقت ذاته كانت الإعدادات تجرى على قدم وساق لقيام ثورة في بيلاروسيا فكان خط غاز السيل الشمالي هو خط احتياطي لصادرات الغاز الروسي عبر بيلاروسيا، ولا يمرّ بأراضيها، بل بمياهها، ويحافظ على «بيلاروسيا» (روسيا البيضاء) ضمن الفلك الروسي.

أما السيل الجنوبي فهو المنافس لما يعرف بمشروع «نابكو» أو خط غاز شرق المتوسط، ويعد السيل الجنوبي الضمانة الوحيدة للروس؛ لاستعادة نفوذهم في أوكرانيا، ولكن بوجود ما يسمى بـ«نابكوا»، والذي تهدف الولايات المتحدة من خلاله، بالإضافه إلى غاز شمال العراق، ورفع صادرات دول الخليج، إلى انهيار الاقتصاد الروسي تمامًا، ومن ثم سكون وصول الأمريكان إلى بحر قزوين أمرًا سهلًا، دون أية مواجهة مع الروس.

إذن فالروس يدركون جيدًا خطورة مشروع «نابكوا»، والذى تريد الإدارة الأمريكية تمريره من خلال الأراضى السورية، ولذلك فإن الروس قرروا أن تكون سوريا معركتهم حتى النهاية؛ لأن سقوط النظام السوري والمجيء بنظام حليف للولايات المتحدة يمثل كابوس لا يتحمله الروس في ظل فقدانهم لنفوذهم في أوكرانيا، وامتداد النفوذ الأمريكي في أماكن تهدد وجود الروس واقتصادهم.

*إن هذا المشهد المعقد ما بين الغريمين جعل من سوريا ساحة لتصفية الخلافات، فالروس يرون أن بقاء سوريا مؤمنة في ظل نظام حليف هو الضمان الوحيد لها لبقائها كقوة عظمى، ناهيك عن التطلعات الروسية للمزاحمة على مناطق النفوذ في الشرق الأوسط من خلال إقامه قواعد عسكرية لها كتلك الموجودة على الساحل السوري بطرسوس.

في الوقت ذاته تدرك الإدارة الأمريكية أن الروس لن يتهاونوا حيال الأمر، وهي تحاول تفادي المواجهة المباشرة معهم، خاصة بعد أن تبلورت ملامح التكتلات السياسية والعسكرية في العالم، والتي تمنح محور (روسيا ـ الصين ـ كوريا الشمالية ـ إيران) أفضلية نوعية في ظل التحديات والعوائق التي تواجه أمريكا وحلفاءها.

تحاول إدارة أوباما خلق نوع من التوازن في سوريا، لكن دون تدخل عسكري مباشر، وذلك من خلال التحالف أيضًا مع بعض القوى على الأرض، كالأكراد، ومن تسميهم بالمعتدلين من الإسلاميين، وعن طريق إطلاق يد تركيا قدر الإمكان في شمال سوريا، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بشدة، هو: هل مثل هذه التحالفات قادرة على كبح جماح النفوذ الروسي في سوريا؟

مما لا شك فيه أن هذا غير ممكن، ولكن لعل الإدارة الأمريكية تريد كسب مزيد من الوقت لترتيب أوراقها الخارجية ريثما تجد مخرجًا من هذا المأزق، ولكن على الإدارة الأمريكية الحذر من خسارة المزيد من الحلفاء العرب لصالح الروس، ففي تطور مفاجئ سمح النظام المصري للروس بإقامة قاعدة عسكرية في المنطقة الغربية على البحر المتوسط؛ مما يزيد الشكوك حول المخاوف من امتداد النفوذ الروسي إلى شمال إفريقيا، حيث الجزائر، والتي تمر بها أنابيب الغاز الإفريقية القادمة من نيجيريا باتجاه أوروبا. من المؤكد أن هذه الخطوة ستزيد الأوضاع اشتعالًا؛ فالروس باتوا يعلنوها صراحة بأننا لن نتهاون في مسألة منع صادرات الغاز الروسي، ومحاصرتنا اقتصاديًا، وإننا قادرون على منع أي بديل آخر في تحد واضح للإدارة الأمريكية، والغرب بشكل عام، وفي الوقت ذاته أمريكا لا يمكن بحال أن تسمح بحدوث هذا فهي تعرف جيدًا أهمية الشرق الأوسط، ولا تنتوى التفريط به لصالح الروس، وأغلب الظن أنها لن تسمح للروس بتجاوز الخط المرسوم لهم.

في الحقيقة كل المؤشرات تشير إلى صدام نووي محتمل؛ إذا ظلت المعطيات، كما هي هذا الصدام سيكون الأكبر والأول من نوعه في آن، ولكن يبقى السؤال الذى لم أجد له إجابة أو تفسير أين موقع العرب من كل هذا، ولماذا ألزموا أنفسهم بمقاعد المتفرجين والمفعول بهم، لا الفاعلين، وأين سيكونون إن وقعت المواجهه؟ هل ينحازون إلى أحد المعسكرين؟ أم أنهم سيتجنبون المواجهة الدائرة على أرضهم؟

The post تراجع النفوذ الأمريكى في المنطقة..ومستقبل التكتلات السياسية في ظل صعود الدب الروسي appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست