السبت، 29 أكتوبر 2016

ثقفني اون لاين : ليس هناك من بيت يأويك

كانت أول مرة تطرُق مسامعي كلمة «نازحين» في نهاية سنة 2005، وحينها لم أصدق ما أسمع، هل فعلًا يوجد نازحون عراقيون؟ لقد كان وقعها على نفسي ثقيلًا، وغير مستساغ، فلم يرد بذهني في يوم من الأيام أن يكون العراقي نازحًا، وهو البلد الذي آوى الكثير من اللاجئين والنازحين، وكان وطنًا ثانيًا لهم، ثمَّ تكرر تداول هذه الكلمة بين الناس، وفي وسائل الإعلام، حتى أصبحت مألوفة لمسامعنا، بالرغم من قساوتها، استخدمت لوصف حال الذين يُجبرون على ترك بيوتهم وديارهم بغير ذنب اقترفوه، إلا كونهم عراقيين أصلاء، تم التحكم بهم من «عراقيين بالانتساب»، مجهولو الهوية والنسب.

اختلفت القوى المتصارعة التي تتحكم في بلدنا على كل شيء، وما تزال، سوى تهجير أهلنا بالعراق، فهم متفقون عليه، وكم هو مبلغ الغفلة التي عاشها العرب السنّة، حين اعتبروا أن روابط الإسلام سوف تكون لهم شفيعًا عند الأحزاب الكردية، ولم يعلموا بأن تلك الأحزاب تُقدم الانتماء القومي العنصري على الانتماء الديني، وينظرون للنازحين العرب المستضعفين، والذين يعيشون أقسى الظروف داخل كردستان، كخطرٍ ديمغرافي يهدد مناطقهم؛ فهم يريدونها كردية خالصة، فذلك هو الأساس الفكري الذي تشكلت عليه نظريات تلك الاحزاب العنصرية. لقد نجحت إيران أن تضرب السنّة بالسنَّة، وما التهجير الكردي الحالي للنازحين العرب السنّة في «كركوك»، إلا مثالًا على ذلك. ومن قَبلُ قد نجحت إيران بزرع تنظيم القاعدة، ومن بعدها «داعش»، كفتنة في قلبِ المجتمع العربي السنَّي لتضرب رقاب بعضهم ببعض.

أُجبر النازحون على مغادرة ضواحي مدينة كركوك على أيدي قوات الأمن الكردية «الأسايش»، وقادوهم إلى العراء؛ ليفترشوا الأرض، ويلتحفوا السماء، بنسائهم وأطفالهم وشيوخهم، كما فعلها بهم تنظيم داعش من قبل، وجاء الحشد بعد ذلك ليكمل فصول المسرحية ويمنعهم من العودة لديارهم، تلك الديار التي أصبحت أثرًا بعد عين.

ما الذنب الذي اقترفه أولئك النازحون في كركوك؟ كتب أحدهم على باب بيته المتهالك الذي أجلوه منه في كركوك «وداعًا يا أرض كركوك، اللهم احفظ كركوك، نشكركم على حسن الضيافة»، فبالرغم من الألم، وبالرغم من قلوبهم المجروحة، إلا إنهم لم ينسوا كلمة إحسان قد سمعوها، أو مساعدة قدمها لهم أحد.

جاءت الأحزاب الطائفية والقومية الشوفينية، وحاولت بكل قوتها أن تنتزع من هذا الشعب قيمِهِ السامية وفضائله العالية؛ فلم تنجح، فبدأت تحاول هذه المرة بإذاقة الناس أنواع الذل والهوان؛ حتى تكسر روح الكبرياء عندهم، وتجعلهم يتخلَّقون بأخلاق العبيد، ونجحت مع البعض، وفشلت مع البعض الآخر.

لم تشمل إجراءات التهجير التي قامت بها القوات الأمنية في كركوك النازحين السنّة العرب فقط، بل شملت العرب السنّة الموجودين أصلًا في كركوك؛ لكي يغيروا طبيعة مدينة كركوك ذات الأعراق المتعددة، كل هذا يجري تحت مسامع من أشبعونا حتى التخمة من تحذيراتهم وتصريحاتهم التي يهددون بها كل من يحاول أن يقوم بتغيير التركيبة الديمغرافية لمدينة كركوك، ففي آخر تصريح للمتحدث باسم الحكومة التركية يخرج علينا ليقول «إن مدينتي كركوك والموصل لهما أهمية بالنسبة لتركيا وأمنها. وأن بلاده ستبذل جهودًا من أجل عدم تغيير التركيبة السكانية في تلك المدينتين». فيا ترى أين تلك الجهود على أرض الواقع، وهم يرون عمليات التهجير على كل الفضائيات؟ أما عن الدول العربية التي تربطنا بهم رابطة القومية عوضًا عن رابطة الدين، لم نسمع لهم صوتًا، وأظن إننا لن نسمع لهم صوتًا مستقبلًا.

نجحت إيران الصفوية في جعل السنّي عدوًا للسنّي، حينما ضغطت على مجلس محافظة صلاح الدين من خلال ميليشياتها، ليصدر قرارًا عجيبًا. لم تعرف قوانين العالم المتحضر مثيل له، حينما قرر تهجير وإجلاء كل عائلة لديها أحدٌ من أفرادها ينتمي لداعش، أو ساعد داعش، أو حتى أكل معه من طبق واحد، أو سكن معه تحت سقف واحد، وهي بذلك تدق إسفينًا بين العشائر العربية السنية، وتمزق الرابطة المقدسة بين أبناء البيت الواحد. ومن قبلهما كانت محافظة بابل قد أصدرت قرارًا بهدم بيوت كل عائلة يثبت عليها انتماء أحد أفرادها لداعش، وتهجير تلك العائلة خارج المحافظة وطردهم من أرضهم وبيوتهم. فأسست لفتنة ستدوم ربما لأجيال قادمة بين أفراد المجتمع العراقي.

ما أشبه حال النازحين العراقيين السنّة الأن، بحال النازحين الفلسطينيين الذين هجَّرتهم إسرائيل، قامت إسرائيل بعد تأسيسها قبل 68 سنة بتهجير العرب أصحاب الأرض الحقيقيين، إما للبلدان المجاورة أو تجمعهم في مخيمات ضخمة تفتقر لمقومات الحياة الكريمة لأي شعب. وبعد كل هذه السنين لم يستطع الشعب الفلسطيني من العودة لدياره. والخشية كل الخشية أن يجري على العراقيين السنّة ما جرى على الفلسطينيين، فهم يطردون من أرضهم، ولا يسمحون لهم بالعودة لمناطقهم، وبمرور الوقت ربما سيتعذَّر عليه العودة لدياره، ولن يكون هناك من بيت يأويه.

The post ليس هناك من بيت يأويك appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست