وثق الحكاء الكولومبي الحائز على نوبل في الأدب، جابريل جارسيا ماركيز، اللحظات الأخيرة في حياة سيمون بوليفار، محرر الشعوب اللاتينية من الاحتلال الإسباني، وصاحب حلم وحدة أمريكا الجنوبية، في روايته «الجنرال في المتاهة»، بداخل هذه الرائعة الأدبية موقف مهم يكشف ما حدث قبل سبعة أيام من وفاة بوليفار، حيث رفض الجنرال الحالم الأخذ بنصيحة طبيبه الشخصي الذي طلب منه أداء طقوس الاعتراف، وقال له صارخًا: هل حالتي سيئة إلى الحد الذي يجعلك تطلب مني الوصية والاعتراف؟ كيف سأخرج من هذه المتاهة؟!
مع الفارق الشاسع بين سيمون بوليفار، والمشير عبد الفتاح السيسي، في تطلعات كل منهما تجاه شعبه وأمته، ولكن الجنرال المصري في متاهة ويرفض أن يصدق ذلك، ولن يخرج منها إلا برحيله عن القصر الجمهوري، لأن دخوله إلى هذا المكان كان خطأ فادحًا تدفع مصر فاتورته الآن من كل جانب، لو كان لنا أن نقيم أخطاء الجيش في السنوات الأخيرة سنجد أن موافقته على ترشح السيسي لرئاسة مصر الخطأ الأكبر على الإطلاق، خاصة وأنه جاء بعد حراك أزاح به جماعة الإخوان عن سدة الحكم، وكان من الأفضل أن يتابع الموقف من بعيد دون العودة مجددًا للعبة السياسية.
بعد اجتماع استغرق 7 ساعات كما ذكر ياسر رزق بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ورؤساء تحرير الصحف القومية، باتت الصورة أكثر وضوحًا وبدا أن الرجل الأول في مصر منفصل تمامًا عن واقع الشارع المصري، فضلًا عن تعرضه لكم هائل من الضغوط الداخلية المتزايدة، والخارجية من الحلفاء وغيرهم، في ظل تردي حالة الاقتصاد بشكل مفزع حتى مع وجود مشروعات ستسقط فتات ثمارها على البسطاء في 2018، ولا بد للمؤسسة العسكرية أن تراجع موقفها حتى لا تتفاقم الأمور أكثر من ذلك.
الإمارات التي ساندت بقوة المشير السيسي بدأت تضع شروطها الآن قبل أي دعم مادي للنظام، ويبدو أن القرار المصري يجب أن يمر عبر أبوظبي أولًا، ذكرت في المقال السابق أن اسم الفريق أحمد شفيق كان مطروحًا بقوة لفترة ما بعد السيسي، ولكن مع تسارع الأحداث اتضح الأمر بأنه ربما يكون رئيسًا للوزراء في أكتوبر القادم مع السماح لأعوانه بحرية الممارسات السياسية، وكل الشواهد تثبت ذلك، فأبناء الرجل الذي أحب مصر بإخلاص، الشيخ زايد -رحمه الله-، ينفذون وصية والدهم بإتقان وبعض الدهاء، ولنا في المنصات الإعلامية ومراكز الدراسات الممولة من هناك، والتي قد تستخدم لتلميع شخص وإقصاء آخر، دليلًا قاطعًا على ذلك.
السعودية أيضًا تراقب الوضع في المحروسة، وأي دعم مادي منها سيكون مشروطًا بإحراز تقدم مع جماعة الإخوان، وترميم العلاقات المصرية التركية، لأن المملكة لم ولن تنسى الصفعات التي وجهها السيسي لهم على فترات، بدأت بموقف المشير من الأزمة السورية ورفضه التدخل العسكري نهائيًّا عكس ما يريده آل سعود، ثم رفض مشاركة أي قوات مصرية برية في عاصفة الحزم، والاكتفاء بإرسال بضع طائرات قديمة كنوع من المجاملة، أيضًا إجهاض القوة الإسلامية المشتركة التي كانت تريد المملكة أن تكون قائدة لها من الرياض، وقضية تيران وصنافير التي أعتبرها مثل بيع «التروماي» في مقامرة لم تؤت ثمارها بعد، ما لا يفهمه الملك ومستشاروه أن أي قائد لمصر سواء كان السيسي أو غيره لن يقبل إطلاقًا بأي دور إقليمي للسعودية على حساب تهميش دور مصر، وما يؤكد ذلك زيارة وزير الخارجية سامح شكري للقدس للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ليعلن الأخير بعدها بأيام قبول حكومة تل أبيب بمبادرة السلام المصرية «الدافئة» فقط، وعدم الالتفات للمبادرتين العربية والفرنسية، وذلك بعد تحركات سعودية مكثفة بلغت ذروتها بزيارة اللواء أنور عشقي، ضابط مخابرات سعودي سابق لإسرائيل.
لا شك أن الإمارات والسعودية بإمكانهما ضخ 8 مليارات دولار وأكثر في البنك المركزي المصري، وإنعاش الاقتصاد جزئيًّا. ولكن ما على الأرض يثبت أن الأمور ذهبت في اتجاه آخر، ولن تكون هناك ودائع أو مساعدات مالية كما كان في الماضي، بل ستسبقها شروط تعجيزية لنظام السيسي، وسيكون مضطرًا لقبولها؛ نظرًا لتآكل احتياطي النقد الأجنبي، وعزوف المستثمرين عن المحروسة، ولتفادي قيام انتفاضة عنيفة بعد موجة الغلاء المسعورة، وقرارات الحكومة غير الصائبة بالمرة، مثل رفع أسعار الكهرباء.
قضية الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، والتي تستخدم من حين لآخر بدوافع مختلفة تعد جبهة ضغط مزمنة، فلقد تابعنا في الفترة الماضية تصعيد إيطاليا بوقف إمداد مصر بقطع غيار طائرات حربية، بعدها بأيام خرج زعيم الأغلبية في مجلس النواب الإيطالي قائلًا الحكومة في مصر بريئة من مقتل الشاب، وأيضًا ماريو رينزي لديه من أوراق الضغط ما يكفي لإدانة نظام السيسي، ولكن ما يمنعه مصالح دولته في ليبيا، لأن غياب التنسيق مع مصر في الأزمة الليبية يعني ضياع حصة إيطاليا من الكعكة التي ضمنت فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا نصيبًا منها، أيضًا تدخله شخصيًّا في قضية الطفل المصري الذي عبر المتوسط لعلاج شقيقه، بل وصل الأمر برئيس الوزراء أن أصدر توجيهًا بنقل الطفل وأسرته إلى إيطاليا عبر جسر جوي، وهذا موقف شديد الحرج لمصر.
الجنرال في موقف لا يحسد عليه إطلاقًا وثّقه مؤيدوه على الصحفة الرسمية للرئيس على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» بتعليقاتهم، ردًّا على ترشحه لفترة ثانية بشروط، كانت كلماتهم كفيلة بأن ترسل تحذيرات شديدة اللهجة، وضرورة إيجاد حلول سريعة للأزمة الاقتصادية، وأعتقد أن المؤسسة العسكرية سئمت الوضع المتردي لأن ذلك يشكل عبئًا على الجيش الذي لن يدفع دولارًا واحدًا في موازنة الدولة، وقادة المؤسسة الوحيدة القوية في مصر لا يريدون المساس بامتيازاتهم، ومقابل ذلك هم مستعدون لإعادة سيناريو الإطاحة بمبارك، ولكن هذه المرة سيكون الفعل بعيد عن الثورة حفاظًا على تماسكهم ومصالحهم، ولعدم تشويه المؤسسة أكثر من ذلك شعبيًّا، نعلم أن هناك حالةً من الكبرياء الذي لا يسمح لهم بالإعلان عن خطئهم بترشيح السيسي لرئاسة مصر، ولكن الآن الكل يبحث عن مخرج قبل وقوع الكارثة.
إعلام الرئيس أول أسباب غرق السيسي لأنه لا يمت للمهنية بصلة ويتخذ من «التطبيل والتهليل» منهجًا لجذب جمهورهم على طريقة الموالد -راجع التغطية الإعلامية لحفل افتتاح تفريعة قناة السويس- ومجموعة الوجوه القميئة المشوهة التي تتفاخر وتتباهى، وتعلن أن ثورة يناير مؤامرة، غرتهم جماهيرهم العريضة من محدودي بل معدومي الفكر والوعي؛ فازداد نشاطهم العفن، وحين استشعر مشاهدوهم أن الأمور تسير في اتجاه خاطئ، قرروا أن يبرروا أي عمل يقوم به السيسي وكأنه فتح مبين، وفي تعليقهم على الأزمات الاقتصادية يكتفون بتوبيخ مشاهديهم بعبارات مثل «متاكلوش لحمة»، «الرئيس كبر من كتر الهموم»… إلخ، وفوق هذا كله هم ينعمون بالملايين على حساب الوطن.
مستوى الغضب الشعبي يتصاعد، والمواطنون ينتظرون الفرج، وبعض من أيدوا السيسي كفروا به، لن نخوض في ذكر المعاناة وتكرارها لأننا نعلم جيدًا ونشعر بذلك، خاصةً وأننا في قلب الطاحونة، والضجيج بلغ ذروته، ولكن الطحين يقل تدريجيًّا، كما ذكرت عاليًا السيسي منفصل عن واقع الشعب وما يفعله الآن حرث في الماء بمعنى الكلمة، فما جدوى المشاريع العملاقة التي ستؤتي ثمارها كما يزعم بعد فترة إذا كان المواطن سيدخل في صراع من أجل لقمة العيش قريبًا؟ أيضًا التقصير الأمني الشديد في الشارع المصري يهدد الأمن الاجتماعي بشكل كبير، متمثلًا في تفشي حالات الاختطاف التي تقف وراءها مافيا تجارة الأعضاء، وحالات السرقة والترهيب على الطرق والمحاور الرئيسية، مثل الدائري الذي شهد أكثر من واقعة إطلاق رصاص على سيارات في محاولة لسرقتها منذ أيام، أيضًا وقائع الفساد والبيروقراطية وغياب الشفافية وغيرها كثير يؤدي إلى تزايد الغليان في الشارع المصري.
الجنرال السيسي الآن بات جزءًا من المشكلة والحل، ورحيله سيكون بمثابة فرصة لالتقاط الأنفاس وترتيب الأوراق، ونأمل ألا يتدخل الجيش مرة أخرى في العملية السياسية، ولا أعلم كيف سولت له نفسه أن يعلن عن ترشحه لفترة رئاسية ثانية بشروط! الآن الجهة المضادة لرئيس مصر يمكن وصفها بـ«الفرقاء المتحدين» فمن منا كان يتخيل أن يقف فلول الوطني والإخوان والشباب وغيرهم في خندق واحد للمطالبة برحيل السيسي، حتى وإن اختلفت أصواتهم وطرق تعبيرهم عن ذلك، الإخوان يشكلون قوة اقتصادية محدودة ولكنها مؤثرة، وهم يطيقون العمى ولا يقبلون برؤية السيسي بسبب عزل محمد مرسي، أيضًا حيتان الحزب الوطني المنحل يشنون حربًا ضروس لإسقاط الرجل، ولنا في حرائق الرويعي والغورية وغيرها دليلًا على قوة نفوذهم ورغبتهم في إحراج النظام، لأن أيدي الجيش طالتهم وعصفت بجزء من مصالحهم، رجال الأعمال أوقف عدد منهم استثماراته ولجأ إلى الخارج لأن الوضع في مصر غير مستقر ويؤكد الخسارة، ومصريون فاض بهم الكيل بسبب تخلف المتعصبين من جهة، وتعنت الحكومة في بناء الكنائس من جهة أخرى، وأسر المعتقلين لم يجدوا غير أبواب السماء لبث شكواهم.
«السيسي» وصف نفسه بالمقاتل ولن أعترض على ذلك، وهنا أذكره ومن يقفون خلفه بأن الشجعان يعترفون بالخطأ ويتراجعون لمنع تدهور الأمور، فهل يمتلك الشجاعة الكافية لأن يخرج على جموع المصريين من المعارضين قبل المؤيدين، ويعلن تخليه عن السلطة من أجل أن يخرج هو من المتاهة، وتبدأ مصر عهدًا جديدًا؟
The post الجنرال في المتاهة.. خريف «السيسي» appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست