خلال ثلاث سنوات مضت، ومنذ انطلاق العمليات العسكرية «أواخر 2013»، ومع دخول داعش للعراق، حصلت أكبر موجة نزوح وهجرة داخلية وخارجية للمواطنين لأكثر من 4 ملايين شخص «بحسب آخر إحصائية للأمم المتحدة)، وقد تعلمت الأسر العراقية كيفية التكيف مع الحياة الجديدة، والتعايش بسرعة فائقة مع هذا الوضع المتقلب الذي نقل الناس من حال إلى أسوأ حال كانوا يتوقعونه يومًا. فماذا تعلم النازحون؟
الدرس الأول: العيش بلا سياسيين
لقد تيقن شعب النزوح بمرور الزمن، أن الاعتماد على أي سياسي في إصلاح ما تم تخريبه، سواء كان كمنصب إداري أو سيادي في الحكومة المحلية للمحافظة، أو حتى فوزهم بكراسي البرلمان وصعودهم إلى الكايبنات الوزارية وغيرها، والحال المعيشي المتردي ومستوى البطالة المرتفعة، بل وحتى المستوى الاجتماعي الذي أصبح اليوم طبقيًّا بين فئات الأسر الغنية.
ما الذي قدموه لنا؟!
سؤال يطرح مع كل يوم، فما الذي قدمه سياسيونا الذين انتخبناهم وأدلينا بأصواتنا لأجلهم؟! السؤال الذي لا إجابة له كما يبدو، ثم إن العديد من المواطنين الآخرين تركوا أي شيء كانوا يؤمنون به حول «السياسي» بخدمة بلاده أو محافظته أو حتى عشيرته. وحتى لا نعمم فإن بعضهم قدم الكثير كالبطانيات والأفرشة، وبعض السلات الغذائية الرخيصة!
الدرس الثاني: العام الحالي أسوأ من سابقه
يومًا بعد يوم يتقين المواطن العراقي أن يومه هذا أفضل مما سيأتيه بالغد المجهول، وهذه السنة التي يعيشها هي حتمًا أسوأ من سابقتها، وهناك شبه توافق بين الأسر العراقية على أن العيش قبل أربع سنوات أفضل يقينًا من هذا الحال، فضلًا عما قبل 2003، ولا يخفى على القارئ أن هناك العديد من كبار السن ماتوا بسبب سكتات دماغية وقلبية مفاجئة، جراء سماع خبر مفاجئ بقصف المنزل، أو موت أحد أفراد الأهل أو الأصدقاء أو حتى خسارة كل ما يمتلك في طرفة عين.
الدرس الثالث: لا نأمن الطعنات في الظهر!
وبعد أن تخلى عنه الجميع، تفاءل بمساعدة بعض الأصدقاء المقربين له عسى أن يساعدوه، وفوجئ ببعضهم يغدر به، فمن العوائل من نزح من منطقته ليس بسبب سوء الحال، بل راحت ضحية العناوين وإلصاق الاتهامات الكبيرة كالإرهاب والعمالة وغيرها، فكل ما كانت لديه سوابق حتى وإن كانت بعيدة المدى بسنين طوال فإنه سيحاسب إما من هذا الطرف وإما من الآخر.
4- كشف معادن الرجال
في ضوء المساعدات الإنسانية بوجود أكثر من 80 منظمة دولية تعمل داخل العراق لمساعدة النازحين، لم تغط سوى 10% من احتياجات أكثر من ثلاثة ملايين وستمائة ألف نسمة «بحسب تصريحات لأحد ممثلي الأمم المتحدة»، إذ تؤكد العديد من العوائل أن الصراع الأمني والسياسي في المحافظات، وموجة النزوح الكبيرة كشفت معادن الرجال، فمنهم من وقف وقفة الأخ والقريب والأب والصديق، ومنهم من أصبح بالضد حتى وإن كان قريبًا، فلسان الحال يقول نفسي نفسي، وليس لي سوى أهلي.
5- العيش في أقل الممكنات
تتيقن العوائل النازحة أنها في حال رجوعها إلى منازلها الأصلية، فإنهم سيعيشون على أبسط الممكن، إذ يؤكد أكثر من 80% منهم أن موجة نزوح جديدة ستحصل ولو بعد العودة والاستقرار، فالأزمة العراقية مستمرة، وكل عام أسوأ من سابقه، فلذلك يستعد الجميع للتخلي عن ممتلكاته في أية لحظة بعد الرجوع، وهذا ما دفع العديد ممن رجعوا في الرمادي وغيرها إلى شراء حاجيات على قدر الحاجة والاستعمال اليومي فقط.
6- المشايخ ليسوا سياسيين
في أول ساعة دخل تنظيم داعش الرمادي والفلوجة ومناطق أخرى، تعالت الصيحات والسباب والشتائم على أصحاب العمائم وأصحاب ما أسموها «المنصات»، في إشارة منهم إلى الحراك الشعبي الذي قام في عدة محافظات سنية، إنهم هم السبب وراء كل شيء. ورغم الانتقادات الكثيرة التي وجهت للمشايخ وللحراك فإن المواطنين أصبحت لديهم قناعة بأن المشايخ ليسوا بسياسيين، وأن مكانهم المساجد لا مكان آخر.
7- تسييس القنوات والإعلام
شاهدت قبل مدة صورة كاريكاتير معبرة للفنان العراقي ميثم راضي، بعنوان «الصورة الكاملة للإعلام»، وهي صورة تعبر عن قناعات العوائل العراقية وخصوصًا النازحين، ممن تشكلت لديهم رؤية وتوجه لكل قناة عراقية «أكثر من 50 قناة» حيث تتوجه السياسة التحريرية لكل قناة بحسب توجه الحزب الداعم لها، وبحسب الطائفة المنتمية لها بأخذ زوايا محددة من الحقائق والوقائع وإخفاء صور أخرى.
ذلك البعد من التسييس المذهبي والسياسي المؤلدج والمستخدم في الإعلام العراقي، دفع العديد من المواطنين للتوجه إلى منصات التواصل الاجتماعي وإخراج الجزء الأكبر من المخيلة العاطفية والتحليلية الإعلامية والصور والأخبار الآنية، بتوجه حر وبفكر أقرب من الواقعية للمواطن البسيط.
8- اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب
في دراسة أجريتها شفهيًّا بمشاركة إعلاميين ومهندسين وتجار، ظهر لي أن العائلة النازحة الواحدة أنفقت بالمجموع ما يقارب 20 ألف دولار خلال تنقلاتها عبر المناطق الآمنة، شملت تلك الدراسة تكاليف النقل والإيجار والمصاريف الطارئة، كتسجيل البيانات والوثائق الرسمية للهجرة وغيرها، فقد تيقن الجميع بالمثل العراقي الشهير «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب». فاليوم لدي ما أنفقه لتمشية الحال وشراء الخضار، وغدًا لا أفكر به، وليس لدي ما أدخره لمستقبل زاهر.
9- توقع المفاجآت في أي لحظة
يتوقع الكثير من العوائل النازحة داخل إقليم كردستان «ولو بنسب قليلة» حصول أمر مفاجئ للسياسة الكوردية مع النازحين، وطردهم من منازلهم كما حصل في عام 2014، إلا أن الشعارات التي وضعتها حكومة الإقليم داخل مركز أربيل «هنا كردستان موطن التعايش السلمي» طمأن العديد الآخرين بصفاء النية، وبقاء الحال كما هو.
وآخرون نازحون يشاهدون جولاتهم ينتظرون خبرًا مفرحًا إيجابيًّا، ويتوقعون خبرًا آخر صادمًا، فقد تعرض العديد من كبار السن إلى جلطات دماغية، كما سجلت العديد من الوفيات بهذا السبب فور سماعه خبر مقتل ابنه أو تفجير منزله أو سرقته أو نحو ذلك، وتجنبًا للوقوع في هذه الصدمات الكبيرة.. يتوقع الكثير الأسوأ.
10- لا شيء أثمن من الحياة
يتحدث النازحون حديثًا من المناطق الساخنة من الرمادي والفلوجة، عما تعرضوا له من حصار كبير وانتهاكات جسيمة من ضرب وشتم واعتقال وإصابة، والإهانة وفقدان الأهل والأقارب… وأنه لا شيء أثمن من الحياة الحرة الكريمة، حتى وإن كلف ذلك كل الأموال وكل الممتلكات، وفي ذات السياق يحكي العديد من العوائل قصصهم حول دفع الآلاف الدولارات كفدية لداعش أو الحشد أو الجيش، بحسب المنطقة وحسب الحدث، بغية الخروج الآمن، والبقاء على قيد الحياة.
وأخيرًا وليس آخرًا، فلدى العوائل النازحة العراقية الآلاف من القصص والعبر التي يتعلمونها كل يوم في موطن أصبح فيه نيل الكرامة بأبسط مقومات الحياة أمرًا من ضروب الخيال والأمنيات، ويتشاركون هذه القصص في جلسات اجتماعية توطد العلاقات، وتلم شتات ما تبقى على قيد الحياة بعد مواسم التشريد والتفرقة التي سببتها موجات النزوح.
The post ما الذي يمكن أن تتعلمه من النازحين في العراق؟ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست