«1»
أعلمُ بأن ميراث الغل والحقد والبغض لا يلدُ إلا مثله، وأن طوفان العنف والغضب لا يستجلب إلا شبيهه، وأعلمُ أيضًا بأن الدوران الفارغ في رحاب بعض الأوهام لا ينفع ولا يضر، ولا يصح أن نظل مدة خمسة أعوام ونبرة التخوين ما تزال مستعرة بيننا، لا يهدأ نارها ولا يقرُ لنا جفن، ونعيش داخل حوائط من ورائها حوائط دونها حوائط، ونخشى مواجهة أنفسنا أو مواجهة السلطة بما كان وبما سيكون، لنوضح أين كنا وإلى أين سيكون المآل والمصير، ولا يجوز ولا يصح بأي حال من الأحوال استنزاف الطاقة التي تفعلها الدولة في محاربة المعارضين، ولو بكلمة أو نشر صورة أو مقطع فيديو أو رفع شعار، لأن دولة بعمق التاريخ ولها من المكانة والحضور ما لها، لا يصح أن تنهار بسبب أفعال صغيرة؛ ولو حدث وصدقتم أنفسكم، فاعلموا بأنها باتت ظل دولة أو شبحًا لها!
إلى رئيس الجمهورية..
السيد/ عبد الفتاح السيسي
اعلم يا هذا أن دوام الحال من المحال، ولو كان المنصب استمر لمن كان قبلك لما أتى إليك طائعًا، تلك حقيقة بديهية نحاول بها إنعاش الذاكرة الإنسانية التي تنسى نفسها في مفاوز السلطة والمنصب وشهوة الجاه والسلطان، واعلم بأن الرجل الثاني في الدولة الإسلامية «سيدنا أبو بكر الصديق» لما تولى الخلافة قال: «أما بعد؛ أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة…»، قاعدة سليمة المنطق وحسنة الطوَّية، لها من المكانة في التاريخ مالها، والحمد لله أن أغلب الحكام والسلاطين والملوك والرؤساء والشيوخ والأمراء لا يفعلون بها، ولو قام قائمٌ بين الناس ونصح أو وجه أو غيَّر أو اعترض أو فكَّر، فالسجون والمعتقلات والاختفاء القسري موجود، والسلطة تملك أبواقـًا إعلامية وصحافة تعددت ألوانها؛ من الأصفر -لون الحقد- إلى الأحمر -لون الدم- إلى الأسود -لون الغل- ما يكفي للتبرير!
أعلمُ أن المشكلات الكبري لها حلول مهما عظمت ومهما تضخمت ومهما انزعجنا منها، ولنا في الدول الناجحة والهاربة من الفشل حياة وعظة وعبرة، لكننا لا نريد أو لا نحسن النوايا ولا نخلصها، إلا أن أُسَّ المشكلات وبلاءها المستوحش هو ما تنطوي عليه القلوب وما تحمله الأرواح من غل وحسد، أخاطبك بصفتك رأس الدولة ورئيسها ومن بيديه مقاليد الأمور والحكم وصنع القرار، أخاطبك بشأن سجون وآلاف المعتقلين أغلبهم في سني أو أكبرُ قليلًا، أما آن الأوان للإفراج عنهم وإجراء مصالحة وطنية ؟
لا يصح بأية حال من الأحوال أن تقوم السلطة بالتعامل مع المختلفين عنهم بمنطق أن لدينا أسلحة وجنود ومجنزرات، لأن المعارض للسُلطة خاصةً وإن كان يعارض بالصبغة الدينية، فإنه يؤمن بأن لديه جنة وحور عين لا سبيل إليهما إلا الموت، لذلك لا بد وأن تقوم السُلطة بإجراء حوار وطني موسع لاحتواء المعارضين، والأهم الإفراج عن الأعداد المهولة مما واراهم السجن وغيبهم المعتقل، واعلم يا سيادة الرئيس بأن الأوطان لا تبني غيلة أو بين ليلةٍ وضحاها وإنما بمشاركة أبنائها، وأن الحقد والكره إذا ما سار بين شخصين أو فئتين كان الشيطان ثالثهما.
فأرحنا يا رئيس، واسترح؛ وخذ خطوة التصالح مع جماعة الإخوان المسلمين ويكفي ما حدث منكم ومنهم، إلى متى سنظل ندور حول النقطة نفسها ونخسر ما لا حصر له من الأنفس والأموال ومن لديه بقية حب لذلك البلد، عصب المرحلة القادمة إذا ما أخدت خطوة التصالح، هم رجال الفكر والثقافة والكنيسة والأزهر، افتح لهم الطريق واترك لهم تلك المهمة، جربتم الرصاص لسنوات فجربوا الحوار لشهور، لعل وعسى!
تهدف تلك المقالة إلى إقامة سبل الحوار والمصالحة والمصارحة والمكاشفة وتحقيق التعايش وتيسير الطريق إليه، تهدف إلى نبذ العنف جانبًا والوقوف صفـًا واحدًا وراء الوطن وبجواره وأمامه، لا مصلحة ولا مأرب شخصي، الكلَّ للوطن فداء ؛ لا تعلو مصلحة نيشان على مصلحة لحية أو صليب –هذا صعب لكنه ليس مستحيلًا– إذا ما خلصت النية وعزمنا على بركة الله أو بركة الرب، أيًّا ما كانت ديانتك!
ولا يصح أن تلعب الدولة مع جماعات الإسلام السياسي والمعارضة من الشعب لعبة الكراسي الموسيقية أو بالأحرى «الدوائر المفرغة»، التي يدور فيها رجال السُلطة وراء المعارضين فيسلم هؤلاء أولئك إلى السجون، ليصبح أولئك داخلها أشدَّ الناس بأسًا وعنفـًا وغلًا وعنفوانًا، وبانتظار أول فرصة لتفريغ الكبت من داخلهم، فتصير كمائن الشرطة مستهدفة ورجال الجيش قتلى، بسبب زراعة الحقد والغل داخل أبناء الوطن الواحد.
لا يصح أن تستمر سيادتكم بإطلاق لفظة «أهل الشر» دون تحديد ماهيتهم أو مخططاتهم، لأن «ما تكرر فقد تقرر» والاعتياد قاتل للذهول والدهشة ووأد للتحيل المنطقي وإعمال العقل، ونقولها مرة أخرى «لا تبنى الأوطان إلا بالمشاركة والتكاتف وليس بذرع بذرة الانشقاق والاختلاف والتناحر، لأن اللعنة ستُطال الكل، والكل حينها ورب البيت خاسر».
هامش توضيحي وأمور أخري:
إذا قرأت المقالة وأنهيتها بسلامة الله وحمده وسعيت لتصنيفي بأنني أنتمي للجماعة فاستغفر الله على وقتك الذي ضاع هباءً لقراءة مقالة تسعى لتصنيف كاتبها، وهو الذي يكره التحزب وتسليم عقله وروحه لكيان آخر يفكر له، ولم يكن ضمن حزب أو جماعة يومًا ما أو يحاول في المستقبل؛ قريبًا كان أم بعيدًا، وإذا وجدت مصلحة شخصية أو مداهنة لشيء خفي في مقالتي تلك فهو ما أعوذ بالله منه، لأنه وحده العالم بإخلاصي في كل كلمة كتبتها في مقالتي، وإذا اعتقدت أن تلك المقالة لا تسمن ولا تغني من جوع، فهي محاولة وفقط، لرأب الصدع ووضع نقاط على طريق البناء والمستقبل.
وأخيرًا، لا أعلم ما ستؤول إليه تلك المقالة أو ما تخبئه لي الأيام، الله وحده يعلم.
The post أرحنا يا ريس.. واسترح! appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست