صراحةً، لا أجد طريقًا لإقناع معتنقو العلمانية أو الليبرالية من الإخوة المسلمين بأن المنهج الإسلامي وقيام دولة إسلامية معتدلة هي الحل الوحيد للنهوض والخروج من أزمة المعارك السياسية والمذهبية التي انزلقت إليها الأمة، وكيف لي أن أقنع غير المسلمين ممن تشاركنا معهم أخوة الإنسانية وأخوة العرق والدم والأرض، بأن إقامة الشريعة الإسلامية لن يتنافى مع مفاهيم وأهداف العلمانية ولكنه يصل بها إلى غاية أسمى ويحميها تحت راية العقيدة، فلا قوانين وضعية تصب لصالح فئة معينة ولا رأسمالية شرسة تلتهم الأخضر واليابس.
أنى لي بهذا وقد تملص أهل الشريعة من شريعتهم، وانسلخ ذوي الجلدة من جلدتهم، فارتضوا ما دون حكم الله الذي هو منطقيًا وعقليًا أعدل وأقوم من قوانين البشر، وما من قضية خلاف ومفاضلة بين العلمانية أو الماركسية الاشتراكية أو حتى الكهنوتية المسيحية والإسلام إلا وقد قتلت بحثًا فسقط من تلك الأنظمة ما سقط، وما بقي فهو يترنح آيل للسقوط لا محالة بشهادة أهل السياسة والاقتصاد.
فإن تحدثتُ بلهجة العقيدة إلى المسلم العلماني وأخبرته أن ارتضاء قوانين وضعية وفلسفات غير التي نبعت من الإسلام هو محض نقص في إسلامه بنص القرآن والسُنَّة، لأنه حين ذاك قد آمن أن هناك نظامًا أعدل من النظام الإلهي الذي أقرته أحكام الشريعة وهذا يتنافى إجمالاً وتفصيلًا مع مفهوم الإسلام الصحيح – أن تسلم وجهك وقلبك لله تعالى فتقيم أوامره وتجتنب نواهيه إيمانًا منك أن هذا طريق الحق ولا شئ أحق منه – ليس هذا وحسب، لكنه بذلك يكون قد خالف الأمر بإرساء حكم الله على أرضه وإنْ يعلم أيضًا فقد حارب الدين وفَتَّ في عضد الدعوة إلى سبيل الله، وإن أقيمت عليه الحجة بمعرفته لما سبق فقد خرج من دين الله إلى دين العباد.
ولا يسعه حين إذن إلا أن ينعتني بالمتشدد الرجعي أو التكفيري المتعصب، حيث لا يشتمل القرآن أو السنة على مثل هذا التعصب الأعمى والفكر التكفيري الجاهم الذي يتبناه الدواعش أيضًا، بيد أني لا أكفّره ولا أطيق على أخي المسلم أن يمسه سوء في الدنيا فكيف لي أن أرمي به في نار جهنم بتكفيري إياه! وما تعصبت لشرع الله إلا لأني أحب أمتي فردًا قويمًا ورايًة تخفق بالخير والنور لكل الناس، وأرى من يتبنى هذا الفكر آثمٌ لا محالة، لأن الأمة قد فرض عليها حال من التخبط والتعتيم ما يعفيها من الأحكام وليس من الصواب تكفير أمةٍ بأكملها لا تعلم عن دينها إلا أركانًا خمسًا، ولا نريد أن نُحمّل المسلمين ما لا يطيقون فنَحملهم إلى متاهات وسراديب الضلال، فالمقصد هو التنوير لا التكفير.
وعلى كلٍ، فإني أسرد عليه البراهين وأسوق إليه الدلائل وهي أكثر من أن تحصى وتحصرها الكلمات، ففي القرآن على سبيل المثال لا الحصر ما يقول الله -عز وجل-:
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[المائدة: 44]
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[المائدة: 45]
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[المائدة: 47]
فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا[النساء: 65]
وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ[المائدة: 49]
أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ[المائدة: 50]
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ[الشورى: 13]
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.
ولئن اعتد القرآن بإقامة الشريعة واعتبرها حجر الزاوية لبناء الإسلام، فإن السنة هي الملاط لتثبيت هذا الحجر ومنعه من التزحزح في وقتٍ تموج فيه أهواء البشرية وتداعى على الأمة ضربات تقصمها وتحول دون تماسكها ثم تتركها حطامًا تذروه الرياح، والسنة كما جاءت على لسان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تدفع كل موضوعٍ في الإسلام وتردها عنه، قد جاء في الصحيحين – مسلم والبخاري – قوله (صلى الله عليه وسلم): «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد » وفي حِجة الوداع كان التذكير شديد اللهجة واضح البيان فورد في لفظ حديث ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا كتاب الله وسنة نبيه»؛ وحين بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال له (صلى الله عليه وسلم): «بما تقضي؟، قال: بكتاب الله، قال:فإن لم تجد في كتاب الله، قال: أقضي بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟، قال: أجتهد رأيي ولا آلو جهدًا. قال: فضرب بيده في صدري وقال الحمد الله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله».
وفي باب الأحكام من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «ألا أيها الناس لا يقبل الله صلاة إمام حكم بغير ما أنزل الله».
ووجه الدلالة هنا يقضي أن عقيدة الإسلام لا تدع موضع قدمٍ للشك ولا تتحيز قيد أنملة لغير دستور الله، ما يجعل إقامة المنهج الإسلامي لزامًا على كل مسلم وانتقاصها أو إنكارها أو ارتضاء غيرها من قوانين البشر يضع هذا المسلم بين إنكار لرسالة الإسلام يليها خسران الدنيا والآخرة، فأي مسلم يرضى هذا لنفسه ولأمته؟
The post ما ينبغي لمسملي العلمانية معرفته! appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست