الجمعة، 29 يوليو 2016

ثقفني اون لاين : أطياف الحب

سنحاول في هذه الورقة رسم خريطة لأطياف مشاعر الحب لنتمكن من فهم أعمق لهذه الظاهرة، وسنكتفي هنا بتوضيح الأنماط، وشرح النظرية التي قمنا بصياغتها دون الدخول في تفاصيل، وهو ما سنحاول بيانه أكثر بما لا يتسع مجاله هنا في كتابنا «فلسفة الحب» قيد الإعداد.

من المعلوم سياسيًّا أن الأطياف تتوزع يسارًا ويمينًا، وينطبق نفس الشيء تقريبًا على الأطياف العاطفية (انظر الشكل).

اليمين عادةً هو الجانب الذي يمتثل أكثر للقيم والعادات والتقاليد، ولا يقبل بالتجديد أو التغيير أو الخروج عن المألوف على عكس الجانب الأيسر.

الحب

التقليديون «أقصى اليمين»

وهم أنصار فكرة ما أصطلح على تسميته «زواج الصالونات»، وهم واقعيون وعمليون، يتمركزون حول الموضوع، ونظرتهم للأسرة نظرة تقليدية اجتماعية مقدسة، العلاقة بين الرجال والنساء في هذا الطيف هي علاقة تعاقدية مادية عقلانية «الشقة والقائمة والشبكة والمؤخر… إلخ»، وأصبح التكافؤ الاجتماعي فيه شرطًا أساسيًّا له! طبيعة هذا الزواج أنه تقليدي، يكاد يكون للحب فيه هامش ضئيل للغاية، يدور كله في إطار الحب بعد الزواج وبالعِشرة والتعود… إلخ، يتحول فيه الزواج إلى مجرد مسألة موضوعية بحتة -مجرد سلعة- بل ويصبح غايةً في حد ذاته، وربما يتحول إلى واجب مقدس لا بد منه بأي ثمن وبأي شكلٍ من الأشكال!

المحافظون «وسط يمين»

وهؤلاء رغم أنهم يقعون على الجانب الأيمن، إلا أن اقترابهم من الجانب الأيسر يُشكل لهم طبيعةً مزدوجةً، فهم لا يقبلون بالفكرة التقليدية: «زواج الصالونات»، وهم في نفس الوقت يجدون صعوبة لتخطي عقبة العادات والتقاليد التي تربوا عليها، والانتقال ناحية اليسار، يغلب على هذه الطائفة النساء أكثر من الرجال «حسب الطبيعة الشرقية المحافظة لمجتمعاتنا»، وهم عادة يقعوا ضحايا الاضطرابات والعُقد النفسية؛ مما يجعل العلاقة بين الرجال والنساء يسودها التوتر والعداء، وأغلبهم يتأخر في الزواج، لأنهم أصحاب نظرة مثالية للزواج، ولكنها واقعية للحب، لذلك فإن علاقاتهم العاطفية تكون في غالبها مشاريع للزواج قيد التنفيذ، وإما أن تفشل أو تنجح، وفي حالة الصدمات العاطفية يتجه بعضهم إلى اليسار ويصبحون أكثر تحررًا، أو إلى أقصى اليمين ويرضون في النهاية بزواج تقليدي بلا حب، أو إن شئنا الدقة زواج يتم فيه ادعاء الحب!

الإصلاحيون «وسط يسار»

يجمع هؤلاء بين المثالية والواقعية أيضًا، لكن على عكس المحافظين فنظرتهم المثالية للحب والواقعية للزواج، أغلب هذه الطائفة من الرجال حيث إن قيود المجتمع عليهم أقل كثيرًا، فيسمح للرجل بتعدد العلاقات، وبأن يرتبط ويحب أكثر من مرة، ويخوض التجربة تلو الأخرى، وإن كانت هناك نساء كُثر فرضن أنفسهن بقوة في هذه الطائفة!

وهم عادة في حالة شد وجذب مع طائفة المحافظين، وكل منهم يسعى لضم أتباعها لطائفته،  يغلب على مشاعرهم جانب التحرر، وأيضًا نتيجة اقترابهم من الجانب الأيمن يشكل ذلك عندهم نوع من الازدواجية التي قد تصل إلى حد الاضطراب بين حب مقيد بالزواج «يمين محافظ»، ورغبة جامحة لحب بلا قيد «أقصى اليسار».

وعند الصدمات العاطفية يتخلوا عن أسطورة الحب المثالي مقابل الحصول على علاقة مستمرة مستقرة سواء حلال؛ زواج بلا حب «جهة اليمين» أو حرام؛ حب/جنس بلا زواج «جهة اليسار».

المتحررون «أقصى اليسار»

هم مثاليون حالمون يسعون للكمال، ولكن نتيجة إخفاقهم ويأسهم عن أي أمل في الاتحاد العاطفي المثالي، وهربًا من الوحدة التي يعانونها أو يخشونها، يتحرر هؤلاء من قيود الحب والزواج من خلال الاستجابة المضللة للرغبة البشرية في «الالتحام الكامل» عبر وهم «الحلول والاتحاد»، الذي يتخذ شكلين إما حلول واتحاد صوفي (وهو غالبًا ما يختاره النساء في مجتمعاتنا المحافظة) أو حلول واتحاد جنسي (وهو غالبًا ما يختاره الرجال)، وفي كليهما هروب مضلل لا يختلف كثيرًا عن المخدرات، فهي قوية ولكنها عابرة وعرضية. فالاتحاد سراب، والتجربة نهايتها الإحباط لا محالة!

يؤدي ذلك الإحباط لإصابتهم باضطراب الشخصية الهستيري؛ فيصبحون نرجسيين متمركزين حول ذواتهم، واهتمامهم بآراء الآخرين لا يعكس اهتمامًا بالناس، إنما حبًّا للذات فهم يستطلعون مشاعر الآخرين تجاههم وما يثير إعجابهم وما يُنَفِرهم، ويرصدون ذلك بدقة من أجل الاستفادة لجذب الأنظار، وكسب اهتمام أكبر عدد ممكن من الأشخاص، فهو يتماشى مع ما يطلبه المشاهدون والمستمعون، ولكن حسب فهمه وطريقته.

لذلك لديهم مهارات تواصل اجتماعية جيدة يستخدمونها للتلاعب بالآخرين لجذب انتباههم وإغوائهم دون الدخول في علاقات جادة من طرفهم، وعادة يكونوا أكثر نشاطًا اجتماعيًّا ووظيفيًّا، ولكنهم يميلون لتغيير وظائفهم حيث إنهم يصابون بالملل بسهولة، وينطبق نفس الشيء على علاقاتهم العاطفية، فهم متقلبون يتأرجحون بين الحماس الشديد للعلاقة، ثم الفتور الشديد منها والدخول في غيرها بنفس الطريقة، فيفضلون العيش بمفردهم ولا يرون أنهم في حاجة للجنس الآخر! فتفكيرهم يتميز بالسطحية، وكلامهم يفتقر إلى التفاصيل.

ومشكلة هؤلاء في صورتهم المتضخمة عن أنفسهم التي تتخذ شكلين -حسب اختيارهم وحسب قيود المجتمع والوازع الديني- إما «كازانوفا العاشق» وإما «الصوفي العارف». وأحيانًا يتأرجحون بينهما في حياتهم الخاصة والعامة، تلك الصورة مجرد بناء إسمنتي عازل ليحافظوا به على قلوبهم الضعيفة الهشة، وإذا تحطمت تلك الصورة التي يعبدونها ويحيطونها بهالة من القداسة والحماية، حينها فقط سيتحركون جهة اليمين ويمارسون حياتهم العاطفية بشكل طبيعي دون مبالغة، ولكن لا بد أن يسبق ذلك علاج لصدمات الماضي أولًا، والتي تسببت في نزوعهم نحو أقصى اليسار.

قد يتحرك الإنسان طوال حياته على هذا النموذج من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين والعكس صحيح، وقد يتنقل بين أطيافه انتقالًا سلسًا أو عنيفًا مفاجئًا خاصةً بعد الصدمات العاطفية.

وغالبًا فإن كثرة الصدمات تؤدي لتطرف وغلو في كلا الاتجاهين أقصى اليمين أو أقصى اليسار، ولا يبقى إلا قليلون فقط في منطقة الوسط المضطربة نسبيًّا بسبب طبيعة هذا العصر، فما العلاقات فيه إلا التقاء مصالح، فيظهر الناس ويختفون، وتأتي الفرص وتضيع، وتحلو الحظوظ وتسوء، وتصبح العلاقات هشةً وضعيفةً، لكن يبدو في هذه الأيام أن ثنائية المواقف أخذت تنحسر في خلفية الحياة اليومية، فالناس يبحثون عن شركاء ليؤانسوا وحدتهم، فلا يجدون إلا وحدة أشد ألمًا وفظاعةً مع شركائهم!

ورغم أنه من المفترض أن تكون منطقة الوسط هي المنطقة التي تشهد قمة الإبداع الإنساني التي تجمع بين الحب والزواج «ما رأيت للمتحابين مثل النكاح». حديث شريف

إلا أنه في عصر تسيطر عليه الواحدية سواء المادية «أقصى اليمين» أو الروحية «أقصى اليسار»، فإن مفهوم الثنائية نفسه يشهد انفصامًا حادًا وتتحول العلاقات بين الرجال والنساء إلى ما يشبه الحرب، ويسود منطق القوة والتلاعب والكذب والمراوغة، مما يؤدي في النهاية إلى تفسخ منطقة الوسط تمامًا، وبروز التطرف والغلو كعامل حاسم وحاكم في مواجهة حالة السيولة التي نعيشها!

ولا نرى حلًّا إلا في إعادة بناء منطقة الوسط التي شهدت اختلالًا، بحيث تجمع بين الأصالة والمعاصرة دون إفراط يميني، أو تفريط يساري.

والله أعلم.

The post أطياف الحب appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست