الجمعة، 1 يوليو 2016

ثقفني اون لاين : العنصرية في مصر (بين الحكومة والشعب) الجزء الثاني

بعد أن استعرضنا في المقال السابق, كيف رسخت السينما المصرية على مدار تاريخها للعنصرية, نستكمل في هذا المقال الآثار السلبية المُرسخة في عقول كل من القيادات و الشعب.

  • المستوى القيادي والسياسي


«لا يمكنني أن أنسى تلك المحاضرة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، في السنة الرابعة في مادة السياسة الخارجية، حين قال أحد أقطاب الفكر الجديد في الحزب الوطني المنحل «مش النوبيين دول الناس السود اللي بيطلعوا في الأفلام القديمة» ساعتها انعقد لساني ولم أستطع أن أرد عليه بما يستحقه. لم أجد كلمات تعبر عني سوى أن مصر بوتقة صهر. فاطمة إمام ـ يوميات مصرية سوداء»

بالحديث عن العنصرية على مستوى مسؤولي الحكومة, والقيادات السياسية بالبلاد, فالأمثلة أكثر من أن تُعد أو تُحصى , لعل آخرها حتى هذه اللحظة أزمة مسؤول بقطاع الكهرباء بأسوان.

فدائمًا ما تنشأ أزمات بين مسؤولي الدولة من جهة وأهل النوبة أو السودانيين من جهة أخرى؛ لتعمُد البعض أو سهو البعض الآخر -فيما يمكن أن يُسمى زلة لسان- على وصف النوبيين بالبرابرة أو البوابين!

ولعل أشهر واقعتين في هذا الجزء ما يلي:

الأولى: عندما وصف البرلماني -آنذاك- د.عصام العريان النوبيين بأنهم غزاة مثلهم مثل الهكسوس والرومان, الأمر الذي خلق حالة من الغضب تجاه العريان, تقدم على أثرها د.محمد مرسي -المرشح الرئاسي وقتها- باعتذاره بالنيابة عن العريان في مؤتمر عُقد بالإسكندرية, المثير للسخرية أن اعتذاره جاء بشكل يمثل إساءة بطريقة أكثر سوءًا للنوبيين، وأثار حالة جديدة من الغضب، بعد أن قال في محاولة منه للاعتذار

«نحن نعتذر عن ما بدر من أحد قيادات الجماعة فى حق «الجالية النوبية» وهم أشقاء أعزاء علينا».

فكلمة الجالية لفظ لا يُطلق إلا على أبناء الدول الأجنبية ممن يُقيمون فى بلدٍ غير بلادهم التي يحملون جنسيتها, أما أشقاء فتقال عادةً عندما نتحدث عن أبناء وطن آخر مجاور وليس أبناء الوطن الواحد.

إلا أن هذه الحادثة لم تمنع د. محمد مرسي من تصدر الانتخابات الرئاسية بعد ذلك بمحافظة أسوان.


«إنت أهلاوي ولا زملكاوي؟
-أنا أهلاوي

غريبة مع إنه معروف إنكم (كلكم) بتشجعوا الزمالك»

الأزمة الثانية كانت من نصيب المستشار مرتضي منصور والتي سب خلالها اللاعب أحمد الميرغني بعد وصفه بالخدام والبواب (في إشارة للونه الأسمر), في مداخلة مع وائل الإبراشي, لتبدأ بعدها موجة من الغضب ضد المستشار مرتضى، والتي انتهت كالمعتاد في جميع الحالات السابقة بتقديمه لاعتذار لأهل النوبة وعدم قصده للإهانة أو التجريح , المثير في الأمر أن لفظ البواب –العنصري- الذي أطلقه رئيس نادي الزمالك علي لاعب الفريق السابق هو ما اعتادت جماهير الأهلي أن تصف به جماهير الزمالك ولاعبيه, في حين تصف جماهير الزمالك الأهلاوية بالقرود.

  • المستوى الشعبي


«دخل وفد المسلمين يتقدمهم عبادة بن الصامت على المقوقس, ومع تقدم عبادة هابهُ المقوقس، وقال: نحُّوا عني هذا الأسود، وقدموا غيره يكلمني. فقالوا جميعًا: إن هذا الأسود أفضلنا رأيًا وعلمًا، وهو سيدنا وخيرنا والمُقدم علينا، وإنما نرجع جميعًا إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره به، أمرنا بأن لا نخالف رأيه وقوله.

فقال المقوقس: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم، وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم؟ فقالوا: لا، إنه وإن كان أسودَ كما ترى، فإنه من أفضلنا موضعًا، وأفضلنا سابقة، وعقلًا ورأيًا، وليس يُنكَرُ السواد فينا»

بالحديث عن التعامل اليومي لأصحاب البشرة السمراء في مصر, والتعايش وسط الشعب المصري العظيم,
وعن ملفات الحقوق والحريات والمرأة, فالوضع في هذه المجالات كارثي ومأساوي بدرجة كبيرة.

ففي البلد المشهور بأنه بلد الأزهر الشريف, والشعب المعروف عنه التدين الظاهري –شعب متدين بطبعه– تعد العنصرية شيئًا يوميًا اعتياديًا في ظل غياب التربية الإسلامية الصحيحة, واستبدالها بمشاهد للسينما تكرس لكل ما هو عنصري مع تناغم لخطاب الدولة العنصري في بعض الأحيان.

وبالنسبة لكوني أحد أصحاب البشرة السمراء, فأنا أستطيع أن أعدد لك أسماء اللاعبين الأفارقة الذين مروا على الملاعب المصرية, بداية من أحمد فيليكس, مرورًا بشيكابالا, وانتهاءً بإيفونا, ففي ظل شعبية كرة القدم كلعبة أولى في البلاد, أصبحت من الأشياء المعتادة في مصر, مناداة أصحاب البشرة السمراء بأسماء اللاعبين الأفارقة وتحديدًا أصحاب الأسماء الغريبة علي مسامع اللغة العربية, مثل فلافيو, جلبيرتو, شيكابالا, أوتاكا, هذا بالطبع بجانب الأسماء الأخرى مثل عثمان, بكار (التسمية الأشهر), سمارة, شيكو (وأحيانا شيكولاتة), كوارشي,… إلخ

أما بالحديث عن الأطفال فمن المحزن أنهم أيضًا لم يسلموا من التمييز العنصري ضدهم, ويكفيك أن تشاهد هذا التقرير لتستشعر مدى الأسى في عيونهم, ومقدار الظلم الواقع عليهم من شعب المفترض أنه متدين, لتبدأ باسترجاع ذكريات الماضي, بمشاهد علي الكسار والأطفال يجرون من خلفه ويرددون البربري أهو, ملامح كنا نظن أنها من وحي الخيال , ولكنا غدت واقعًا أليما.

أما عن معاناة المرأة, فحدث ولا حرج, فهي تُعد الأصعب في مجتمع ذكوري بامتياز, من الصعب التعايش فيه كامراة, فما بالك بامراة سوداء!, فالزواج قد يفشل من البداية, بسبب لون بشرة العروس, وقد تجد محاولات لتحبيب العريس بالفتاة من نوعية (هي سمره بس بنت ناس محترمين) وكأن اللون الأسمر هو مضاد للاحترام, أيضًا العريس قد يُرفض بسبب لون بشرته.

وحتى لا أطيل في موضوع يحتاج إلى مجلدات ومجلدات حتى نوفيه جزءًا من حقه, فاسمح لي باقتراح هذه المقالات في حالة رغبتك بالاستزادة, ومحاولة التعرف علي جزء يسير من معاناة المرأة اليومية في مصر.

عن «العنصرية» فى مصر لمني الطحاوي , دي خسارة فيه لمها الجويني , يوميات مصرية سوداء لفاطمة إمام.

تستطيع أيضًا أن تتعرف على جزء من مأساة السودانيين اليومية , أو قد تُراجع بذاكرتك مأساة اللاجئين السودانيين وتعامل الأمن المصري في فض اعتصامهم, بكل وحشية ودموية حتى مع الأطفال والنساء, وسط جمود تام من غالبية الشعب المصري, وتبرير قذر من نوعية «أصلهم سود وريحتهم وحشة».

الأن بالعودة للسؤال السابق في الجزء الأول عن واقعة الكلاب والعبيد, وهل قد تصدر جمل مشابهة من مسؤول مصري أم لا؟

فالواقع يبين أن الإجابة واضحة, فنحن وإن صدقنا حديث الحكومة المصرية بعدم صدور مثل تلك العبارات هذه المرة, فهي بالتأكيد تصدُر يوميا في مكان آخر من مسؤولين آخرين بنفس الحكومة وشريحة كبيرة من الشعب, الاختلاف هذه المرة أنها وجهت بالخطأ للخارج وليس للداخل, وهو ما تسبب في ضجة إعلامية مؤقتة ستختفي كالمعتاد مع الزمن, في الوقت الذي ستستمر فيه العنصرية في مصر.

The post العنصرية في مصر (بين الحكومة والشعب) الجزء الثاني appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست