الجمعة، 29 يوليو 2016

ثقفني اون لاين : الغائب الأكبر

من الغائب الأكبر في حياة المجتمع العربي؟

ماذا فقدت الأمة العربية عندما تخلت عنه؟

وما تأثير هذا الغياب في حياة الفرد العربي؟

كل ما سبق هي أسئلة محورية تتجلى بوضوح في حياتنا اليومية متمثلة في سلوكياتنا وعاداتنا وقرارتنا التي نتخذها بصفة يومية، لكن في غياب أو تغييب هذا الكيان المهم؛ ألا وهو العقل، فقد سبقت الأمم الأوروبية الأمة العربية عندما تخلت تلك الأخيرة عن العقل وأصبح العقل هو الحاضر الغائب، الحاضر بحضورنا كشخوص توصف في الفكر الفلسفي بأن الإنسان حيوان عاقل والغائب بعدم استخدامنا له.

فقد ساد العرب وتقدموا في القرون الأولى من رسالة الإسلام عندما تم استخدام العقل، تلك النعمة الكبرى التي أنعم الله بها علينا، وجاء الأسلام لكي يحث الإنسان على إعمال عقله وتفعيله في استكشاف المكنونات في هذا الكون الكبير، بل في داخل الإنسان ذاته، فقال تعالى: «وفي أنفسكم أفلا تبصرون»، وقال الله تعالى عن أولئك المقلدين الجامدين: «وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا»

وإعمال العقل ضرورة لازمة لمن أراد أن يحيا كإنسان؛ فبالعقل قد عرف الإنسان ربه وعرف به الإنسان كيف يحيا، وقد بلغ العقل العربي ذروته في القرن الرابع الهجري، فقد قام العرب بترجمة كتب الفلاسفة والعلماء اليونانين وعلى رأس هؤلاء الفلاسفة الجهابذة سقراط وأفلاطون وأرسطو، ولم يكتف العرب المتقدمون بالترجمة والنقل فقط بل أضافوا إلى الفلسفة اليونانية فلسفة، لكن بنكهة إسلامية عربية.

حتى في التكليف يكون العقل هو مناط التكليف فإن انتفى العقل انتفى التكليف، فلا مناص من إعادة اكتشاف أهمية العقل في حياتنا لكي نتمكن من أن نصل إلى مصاف الحضارات الفاعلة.

ويذكرني الحديث عن إهمال العقل والسير وراء الموروثات دون إعمال العقل بقصة لطيفة، تقول القصة: «كان هناك راهب يعلم تلاميذه التعاليم الدينية والتأمل الروحاني، وكان هؤلاء الأتباع يستغرقون في التأمل والتدريس ساعات طويلة، ولم يكن ثمة مشكلة سوى وجود قطة كانت تدخل عليهم وتشتت انتباههم بتجوالها في المكان فما كان من المعلم إلا أنه أمر تلاميذه بربط القطة أثناء جلسات التأمل والتدريس، وهكذا كلما عقدت جلسات التأمل يتم ربط القطة وأصبحت عادة أن يتم ربطها وتمر السنون  وتموت القطة ويجيء أتباع التلاميذ ويفعلوا ما كان يفعلة التلاميذ من ربط قطة أثناء الدروس وأصبحت طقسًا دينيًا لا يكون لجلسات التدريس والتأمل فائدة أو جدوى دون ربط قطة أثناء الدروس، وتناسىى الأتباع القصد الرئيس من ربط المعلم للقطة».

والمتأمل في حياتنا يجد كثيرًا من الأفعال التي لا تنم عن عقل، بل تنم عن اتباع بدون إعمال للعقل، فنردد الشائعات والأقاويل التي نسمعها دون أية بينة، كل ما في الأمر أنها ترددت على مواقع التواصل الإلكتروني، وبقليل من التبصر تجد أن تلك الأخبار يتم تناقلها بحذافيرها من موقع لآخر، حتى على مستوى الأجهزة الإعلامية الكبرى يتم اقتباس الخبر حتى لا يسبق الآخرون في نقل الخبر، وتحضرني واقعة على مواقع التواصل في زيارة لوزير خارجية إحدى الدول العربية للكيان المدعو إسرائيل، في صورة تداولتها وسائل التواصل الأجتماعي لانحناء الوزير لرئيس وزراء إسرائيل، وتم تداول الصورة، لكن أثبت بعد ذلك أنها مجرد صورة فوتو شوب، وهكذا تلقفتها أيدي زوار المواقع  على أنها صورة حقيقية، كل ذلك يتم داخل الأجواء الإلكترونية التي يدخلها المتعلمون فما بالك بغيرهم ممن لم ينل قسطـًا وافرًا من التعليم؟!

ويعرف الدكتور زكي نجيب محمود العقل بالفعل؛ فقد حدد مفهوم العقل من خلال الحركة  في كتابه تجديد الفكر العربي حسب قوله: «فأما التحديد الذي أريد أن أحدد به معنى العقل فهو الحركة التي انتقل بها من شاهد إلى مشهود عليه، ومن دليل إلى مدلول عليه، من مقدمة إلى نتيجة تترتب عليها، من وسيلة إلى غاية تؤدي إليها تلك الوسيلة، وأهم كلمة في هذا التحديد هي كلمة حركة، فإذا لم يكن انتقال من خطوة إلى خطوة تتبعها فلا عقل، إذا أدركت شيئًا دون أن تنتقل من هذه الحالة الإدراكية إلى حالة تليها، وتتوقف عليها فلا عقل».

فأغلب آيات القرآن الكريم جاءت تصف العقل بالفعل: «أفلا يعقلون»، «أفلا تعقلون»، ولتفعيل العقل يجب إعمال الفكر بالنظر والتفكر والتسلح بمقومات التفكير والمعرفة، ولا نفعل الأمور بشكل اعتيادي إلا إذا سألنا أنفسنا بادئ ذي بدء لماذا أفعل ذلك؟ ما الفائدة من هذا الفعل؟ هل هذا الفعل يتسق مع المبادئ والقيم أم لا؟

ولا يتأتى ذلك على مستوى الدول إلا بتفعيل منظومة التعليم وتجديد الفكر لأفراد المجتمع، فالمتتبع لمنظومة التعليم لدى مجتمعنا العربي يجد ما لا يسر؛ فمعظمنا في مراحل التعليم المختلفة تدربنا على الحفظ واجترار كل ما حفظناه في أوراق الامتحانات حتى صارت لدينا عادة متأصلة ألا وهي عدم التفكر فيما نفعله، ولن يتأتى التحضر إلا من خلال نخب واعية لأهمية الفكر في حياتنا العملية لكي نرقى إلى ما أراده الله لنا بأن نكون خلفائه على تلك البسيطة، والنخب ليست ما يظهر من خلال الإعلام والذين يتناطحون في سجال لا جدوى منه؛ بل النخب هم من يدركون أهمية أن يتسلحوا بأدوات الفكر وأن يعملوا على تبصرة الجماهير في محيطهم الأسرى والمجتمعي بعد أن يصلحوا أنفسهم أولاً ويقفوا على  سلبيات أنفسهم، فلا فائدة من حث الآخرين على فعل الصواب وأنا لا أفعل ما أنصح به الآخرين، فكن قدوة للآخرين بفعلك الأخلاقي العقلاني واختر لنفسك رسالة صادقة خيرة تنشرها وتعمل عليها؛ عندها ستعلم أنك تحيا من أجل قيمة في تلك الحياة.

ونصيحة لي قبلكم، ألا وهي أحط نفسك دائمًا بأشخاص عقلانيين ذوي أخلاق عاليه فالقرين بالمقارن يقتدي، وقالوا قديمًا: «قل لي من تصاحب أقول لك من تكون».

 

The post الغائب الأكبر appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست