إن الانسان منا -مهما كانت مؤهلاته وإمكانياته وقدراته- يستوجب عليه من حين لآخر أن يستشعر قيمته وعلو شأوه وأنه مصدر اهتمام وتهافت كل من في الكون، فلا يصح أن ينظر لذاته على الدوام ككائن تافه وضئيل وغير مؤثر، وإن كنت أوافقه أحيانـًا في تلك النظرة الدونية وما لها من دور جليل في إدراك حقيقته، ولكن يظل الإنسان بكل طاقاته العظيمة والضئيلة هو الهدف المنشود والأمل المرتجى من قبل الجميع؛ فغياب الإنسان عن الحضور يعني بالتأكيد غياب المعنى بسائره لأي حضور آخر، في حين يظل المعنى واضحًا وجليًا في غياب أي كائن آخر سوى الإنسان.
ونجد أنه كلما ازداد الإنسان في الانحطاط والتشابه، ارتفع مؤشر التنافس عليه وما يتبع ذلك من صراع مرير من أجل استقطابه والاستحواذ عليه بشتى الوسائل المشروعة وغير المشروعة، فبينما تتصارع الشركات والمؤسسات -بما تقدمه من خدمات ومنتجات ومزايا- على استقطاب الإنسان كمستهلك مباشر وغير مباشر، ومن ثم منحه صك العميل الدائم والمميز، تتصارع أيضًا الأديان فيما بينها –بما تقدمه من قناعات وأفكار- صراعًا عنيفـًا ودمويًا من أجل استقطاب روح الإنسان وعقله وحياته، ليجد الإنسان ذاته في النهاية تتمزق إلى ذوات لا تمثله ولا تعنيه، ومن ثم يحيد على نحو تدريجي من دائرة الهدف المنشود لدائرة الفريسة المغتصبة واللقمة السائغة.
ومن جراء نظرة عابرة يتضح بما لا يقبل الشك أن الإنسان الزاهد وغير الفعال –بكل ما يحمله الزهد والركود من معاني– هو بضاعة كاسدة وهدف معطوب ولا يمثل أية أهمية من صراع ودوي المحيطين، فالشركات والمؤسسات تنشد الإنسان الممتلئ بالاحتياج والمثخن بالرغبات، ويرتفع رصيده لدى تلك الشركات كلما ازداد سعيه لإشباع رغباته، بما يعني استمرار تلك الشركات في العمل وضخ منتجاتها ونجاحها، والأديان هي الأخرى تصبو للإنسان الفعال الذي يساهم بحضوره في نشر الدين وبث أفكاره، وتعلو قيمة الإنسان في هذا الدين بالفداء والتضحية من أجل نشر الدين وتعاليمه وفرض سيطرته.
ويتضح جليًا أن قيمة الإنسان وأهمية حضوره تقترن اقترانـًا وثيقـًا بمدى المصالح التي يمكن إخضاعه من أجلها ومن ثم استخلاصها منه، فلا قيمة للإنسان –مهما كانت قيمته– إن كان حضوره غير مقترن بالمصلحة والفائدة والمنفعة، فمثلًا الإنسان غير القادر على شراء سيارة لا يشكل مصدر اهتمام من قبل شركات السيارات، والإنسان المتقاعد المتكاسل عن نشر دينه لا يشكل أية قيمة عند دينه بل يغدو عبئًا ثقيلًا وربما كافرًا، فالإنسان لا يعامل بشكل لائق ولا يتلقى التحية المناسبة ولا يتهافت من أجله الآخرون ولا يمثل بؤرة اهتمام لأنه جدير بذلك ويستحق تلك المعاملة، بل لأن ثمة منافع ومصالح وفؤائد يمكن لآخرين الحصول عليها من جراء حضوره.
فالكل على نحو ما يكافح ويناضل من أجل استخدام الإنسان واستخلاص مصلحة ما من سلافة روحه، وذلك بدوره يساهم في خلق عبوديته وصبها وتشكيلها، وخلق أقنعة من الاهتمام والعناية والرفاهية، بدءًا من العائلة والأصدقاء والمجتمع والمدرسة والجامعة والعمل والزواج والإنجاب وغيرها، فكل تلك المؤسسات لا تتوانى بكل ما تملك من قوة وتأثير في تكبيل الإنسان واستعباده تحت شعار من «العبودية السعيدة»، ونتاج ذلك أن بات الإنسان هو الآخر متصالحًا مع عبوديته طالما أنها ستكفل له السعادة والرفاهية.
وتبع ذلك أن الإنسان بات لا يجد غضاضة في أن يمارس عبوديته آناء الليل وأطراف النهار، ومرد ذلك إلى اختلاف مفهوم العبودية عن ذلك المفهوم المترسخ بالأذهان، فلم يعد مفهموم العبودية ذلك المفهوم المقزز الذي تقشعر له الأبدان، فقد يمارس الإنسان تلك العبودية المستحدثة دونما شعور منه بذلك، والأدهى أنه قد يمارس العبودية مستترًا خلف قناع من الألوهية، فتجده يتشدق بألوهيته وقدراته بينما كل دواخله تلهج بالعبودية، فباتت عبوديته مردها في الأساس خلق ألوهية.
فلا الآخرين يعبؤوا بذات الإنسان وعبوديته ورغباته، ولا هو الآخر يكترث بذاته ودواخلها، بل يتهافت الكل من اتخاذ شعار «خلق الإله المكتفي» المتمثل في إشباع الرغبات، وصار الصراع الحقيقي يتمثل الآن في المقدرة على تصوير تلك «الألوهية» وما يرادفها من إشباع رغبات وسعادة ورفاهية وأمان سواء كانت تلك الرفاهية عاجلة فيما يخص الشركات، أو آجلة فيما يخص الأديان، ليجد الإنسان في النهاية ذاته تقبع بين فكي الرحى، فبينما تسوق الشركات للنعيم العاجل، لا تتوانى الأديان عن التسويق للنعيم الآجل.
لم يعد الإنسان يختلف كثيرًا عن هاتفه المحمول، فمثلما هو يحرص في اقتناء هاتفه المحمول لمزايا بعينها، يحرص الآخرون على اقتنائه واستخدامه هو الآخر من أجل مزايا بعينها، ومثلما هو سيحجم عن اقتناء هاتفه المحمول بمجرد فقدانه لتلك المزايا، فكذلك سيعامله الجميع هو الآخر بالمثل، وسيصبح بضاعة كاسدة ومقتنى معطوب فور فقدانه لمزايا السوق والتنافس.
كذلك لم تعد حرب الإنسان الحقيقية مع الآخرين، بل صارت حربه هي مجابهة ذاته، بأن يناضل ويكافح طوال الوقت من أجل أن يحافظ على صورته نقية كما هي دونما شوائب أو مؤثرات خارجية، وأن يرى المشهد باستخدام عيونه لا من خلال نظارات الآخرين، وليس في ميسور الإنسان أن يحافظ على ما تبقى من إنسانيته سوى بأن يتحرر أولًا من ذاته التي لا تمثله؛ ويلقيها في أقرب سطل قمامة ثم يبصق على ذواته العديدة الممزقة بين رغباته وبين رغبات الآخرين، وبين قناعاته وقناعات الآخرين، وأحلامه وأحلام الآخرين، ثم لا يتوانى أن يقمع ويقتل تلك الرغبات التي يسهر ويكد الآخرون من أجل زرعها وخلقها وبثها، وأن يضحي بالسعادة المرتجاة من خلف عبوديته، فقيمة الإنسان تبرز وتسمو عندما تقل وتضحمل رغباته لا عندما تتكاثر وتنمو، وبالتالي فإن استمرار الإنسان بالحياة في فلك الآخرين والسعي الحثيث نحو نيل رضاهم وتكاثر رغباته عليه وانغماسه في إشباعها وركضه من أجل استمالة عيون المحيطين لن يجعل منه سوى بقايا إنسان.
The post بقايا إنسان appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست