كانت «وسائل التكنولوجيا» الحديثة تزيد الإنسان انشغالًا عن الآخرين، فصارت مؤخرًا تبعده عنهم مع كونها تغرقه فيهم!
فقد كانت تعزله تمامًا بمعطياتها، ومع انشغاله يشعر بأن عليه أن يتواصل مع مَنْ حوله، بحسب درجة رقي روحه وحبه أن يكون وسط الناس بخاصة الأهل والأصدقاء، على الأقل الأقربين.
كنا نعرف التلفزيون، والمذياع، والفيديو أو حتى الـ«يوتيوب» اليوم، ومن قبل الهاتف الثابت الذي ينبغي لأن ترد عليه أن تكون بالمنزل من الأساس.
فصرنا نعرف الهاتف المتحرك الذي يضطرك للرد على الآخرين، مهما كنت بعيدًا أو مشغولًا، بل يجعلك بمرمى الاتصال بأية ساعة من ليل أو نهار، مهما كنت مريضًا أو مشغولًا، حتى أن البعض استبدل أو استعاض بالمحمول عن مجرد السؤال عن الأهل.
بل صارت «الألعاب الإلكترونية» المعروفة التقليدية القديمة تشغل الواحد من البشر في القرن الحادي والعشرين عن نفسه ببناء مدينة ومزرعة افتراضية والتجول فيهما بمفرده. هذا قبل أن تعرف البشرية مؤخرًا جدًا «البوكيمون»، فيجب أن يتحرك أحدهم، وهو يلعب على الهاتف الشخصي؛ لئلا تتهم الألعاب، الخاصة بالفضاء المفترض، بالدفع نحو الكسل والإغراق فيه حد الموت، والكل في «البوكيمون» متهم بتخبئة شيء، الآخرون من اللاعبين يريدونه، فيفتشون عنه لديه، وربما يكون لا يدري عن الأمر شيئًا، لكن اللعبة قواعدها تقتضي هذا.
وكانت مواقع «التواصل الاجتماعي» من قبل سنوات قلبت حياتنا رأسًا على عقب، فلم يعد الأمر أمر «الهاتف المحمول» أو «المتحرك»، فحسب، بل صار أحد هذه المواقع عبارة عن مكان افتراضي على الساحة الزرقاء للتواصل مع الأصدقاء بالكتابة أوالصوت لأي مكان بالعالم.
ومع آخرين لا نعرفهم، لم يعد بوسعنا معرفة الغريب «صاحب الحساب» أو التأكد من كونه رجل أو امرأة، فعدنا نسمع ونقرأ من الأمور غرائبها وعجائبها، والأهم أن الأخلاق صارت تنحدر على نحو مريع.
يتم هذا حتى بين الذين كنا نظنهم مثقفين، أو «أصحاب قضية»، لدينا مجموعات على الـ«فيس» أو الـ«واتس»، أو حتى حسابات شخصية تسخر وتحقر رأي مناقشيها، وكأننا في برنامج «مناظرات»، بل «تحزبات» وردود بالغة السوء، واتهامات وتخوين لمجرد عدم اتفاق، وارد في الرأي، وهل كان الله ليخلق البشر كلهم متفقين في جميع الأمور؟
وبعد لأي وتجربة أكثر من طويلة أرانا ملزمين بشكر هؤلاء شكرًا خاصًا، ويكفي «غيرهم» التعرض إليهم في ثنايا الكلمات.
شكرًا لكل إنسان كتبنا له، وإن لم تكن معرفتنا به قوية، وإن كانت كلماتنا محدودة، وعلى موقع التواصل الاجتماعي، إلا أنه كلف نفسه عناء الرد، بلا تحفظ.
شكرًا لكل مَنْ سلمنا عليه على «واتس» أو «فيسبوك» فرد علينا السلام، ولم يدع أنه مشغول، وإن كان كذلك.
شكرًا لكل من راسلناه بالخطأ فرد معتذرًا بأنه ليس المقصود. شكرًا لكل الذين عارضناهم في الرأي، فاستمعوا بتمهل وردوا محافظين على درجة التهذيب في الكتابة أو نبرة الصوت.
شكرًا لكل من كنا معهم على جروب للتواصل هنا وهناك، وقلنا ـ دون قصد ـ رأيًا لم يعجبهم، أو ربما بقصد حتى، فلم يردوا بكلام يفهم منه غير ما يناسب الأدب، ومن قبل، الدين، واعتبرونا في بيتهم.
شكرًا لكل «أدمن جروب» علم أنّا مختلفون معه، ولم يسلط أو يسمح لأحد أن يحد لسانه في رد عليّنا، واعتبر الأمر من سوء الأدب أن يفعل، بل رد من حاول. شكًرًا لكل إنسان اختلفنا معه، فاحترم سنة الله في الاختلاف، وأبقى المحبة والود.
شكرا لكل «أدمن» رآنا أستانا من رد لأحد، وإن كان متفقًا معه في الرأي، فانسحبنا، فرد غيبتنا أولًا، ثم أعادنا، معتذرًا ومنذرًا المسيء.
شكرًا لكل الذين زادتهم مواقع التواصل أدبًا ورقيًا، ولم تعلمهم غير هذا بالاستتار خلفها بأرقام أو أسماء مموهة للعيب في مخالفيهم، ومدح المتفقين معهم في الرأي على حساب غيرهم.
شكرًا لكل الذين احترمناهم، واختلفنا معهم، فبادلونا احترامًا بمثله، وكانوا على درجة عالية من الرقي على الفضاء الأزرق، وفي الحياة، ولم يحوجونا لمجرد الرد عليهم.
شكرًا لكل هؤلاء، أثبتم أن الإنسان قبل المسلم بكل خير، مهما ضغطت الأزمات.
شكرًا لكم جميعًا، فلم تجعلوننا نندم على معرفة البشرية بمواقع التواصل الاجتماعي أو على معرفتنا بكم حقيقة.
The post شكراً للإنسان قبل مواقع التواصل الاجتماعي! appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست