السبت، 30 يوليو 2016

ثقفني اون لاين : ديمقراطية أُحُد والـ«بريكست»

أثار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو ما يعرف بالـ«بريكست» الكثير من ردود فعل المهتمين بهذا الشأن على مختلف مستوياتهم المهنية والتعليمية ما بين مؤيد ومعارض، ولكل مبرراته التي تمليها عليه خلفيته الدينية والسياسية والثقافية.

من خلال ملاحظتي لردود أفعال المحللين السياسين والمثقفين والشباب العربي في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، كان الكثير من المعارضين يشككون في مدى أهليَّة الشعب البريطاني في أن يتخذ قرارا مفصليا كهذا، ومدى إدراكه واستعداده لتحمل التبعات التي قد يجنيها جراء هذا القرار سواء بالقبول أو الرفض. وبطبيعة الحال بما أن قرار البريطانيين كان رفض الاستمرار في الاتحاد، قام كل مهتم بهذا الشأن ورافض لمبدأ الخروج يضع الأسباب الكثيرة التي أخطأ الشعب في فهمها وأن طريقته في التفكير سطحية ليست إلا، وأن أغلبهم لا ينظر إلى أبعد من قدميه.

ارتبك أغلب المثقفين بسبب هذه القضية ومدى صلاحية الديمقراطية وكفاءتها لإدارة شؤون البلاد واختيار الأنفع للشعب، حتى أن المحلل السياسي الدكتور عزمي بشارة كتب في صفحته على الفيس بوك رأيه في هذا الاستفتاء ونتائجه وكان مضمون ما فيه أن «الناس البسطاء» على حد قوله لا يملكون القدرة على الاختيار الصحيح بسبب قصر فهمهم للأمور، وقد فهم أكثر المتابعين بأن الدكتور بشارة ينتقد الديمقراطية بشكل غير مباشر في منشوره، مما اضطره للرد عليهم والتصريح بأنه مع الديمقراطية لكن مع بعض التحفظات.

البعض الآخر من الشباب -وخصوصا الإسلاميين- كان أكثر ما أثار غيظهم أنه كيف لهذه الديمقراطية البغيضة –كما يصفونها- أن تجعل الـ 51% يقررون عن الـ 49% فهذا شيء غير مقبول عقليا ومنطقيا على حد قولهم.

بعد العرض المجمل السابق حول آراء المعارضين على قضية البريكست، أود أن أنظر للموضوع من ناحية دينية إسلامية ومحاولة ربطه بما حدث بين القائد الأعظم محمد والصحابه في غزوة أحد.

سأقسم الحديث على ثلاثة محاور:

أولا- استفتاء الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه جميعا (البسطاء والكبراء).

ثانيا- ديمقراطية الرسول صلى الله عليه وسلم وأخذه برأي الأغلبية.

ثالثا- رأي بسطاء الصحابة سديد ولا مشكلة فيه على خلاف قول الكبراء.

استفتاء الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه جميعا (البسطاء والكبراء):

على غير الطريقة التي وردت في مشاورة الرسول لأصحابه للخروج في غزوة بدر حيث بدأ بأبي بكر ثم عمر ثم سعد بن عبادة واكتفاءه بتأييدهم، فقد استشار الرسول -صلى الله عليه وسلم- الصحابة في غزوة أحد، إما للخروج لملاقاة العدو، أو التحصن في المدينة ومقاتلتهم فيها. وتؤكد الأحاديث الصحيحة الواردة في هذه الواقعة، بأن الرسول عليه الصلاة والسلام استشار كل أصحابه المشاركين في الحرب كبيرهم وشابهم، قديم عهد بإسلام وجديد عهد به، من لديه حنكة وخبره سياسية وممن هو مبتدئ في الحرب والقتال، حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم شمل في استفتائه الديمقراطي العظيم رأي المنافقين كأبي بن سلول كما أكدت الروايات أنه كان مؤيدا لرأي النبي.

ديمقراطية الرسول صلى الله عليه وسلم وأخذه برأي الأغلبية:

كان رأيه الشخصي صلى الله عليه وسلم هو البقاء في المدينة ومعه كبار الصحابة وأغلب من شهد بدرا (مع العلم بمنزلة أهل بدر في الإسلام). في المقابل كان شباب الصحابة ومن لم يشهد بدرا يرون الخروج لملاقاة العدو. لم يكن الرسول دكتاتوريا في رأيه أولا، وثانيا لم يقل معي أهل بدر والسابقون الأولون وهم أعلم وأدرى، ثالثا لم يقل عن الطرف المقابل بأنهم بسطاء التفكير لا يعرفون مصالحهم ومفاسدهم وليس لديهم بعد نظر. بل قبل القائد العظيم رأي الأغلبية وإن كان قبوله على مضض لمخالفته رأيه الشخصي، فهو وإن كان القائد وكان معه كبار الصحابه فعندما يأتي الأمر فيما يتعلق بأمر الشعب فليس له الحق بأن يقرر نيابة عنهم أو أن تقرر النخبة من أصحابه، فالرأي رأي الأغلبية وإن بدا غير صائب، وإن كانوا 51% فهو أفضل من أن يكون القرار للـ 49%.

وأيضا، فإن قبول الرسول في هذا الأمر الحساس والخطير برأي الأغلبية وذهابه خارج المدينة مع علمه بناء على رأيه العسكري الخاص وما بمليه عليه من تبعات ونتائج قد تكون مأساوية كما يراها من وجهة نظره، فقبوله بها يوضح مدى أهمية رأي الأغلبية والأخذ به ونبذ التعصب والتشدد للرأي الواحد والدكتاتورية في القرارات.

رأي بسطاء الصحابة سديد ولا مشكلة فيه على خلاف قول الكبراء:

توجه المسلمون إلى جبل أحد على رأي الأغلبية لملاقاة قريش، وقد انتصر المسلمون في بداية الأمر نصرا عزيزا مؤزرا حتى أن غنائم الحرب أصبحت أمام أعينهم. لكن تحوُّل سير المعركة بعد ذلك وانقلاب النصر إلى هزيمة كان سببه ليس «مخالفة أوامر الرسول» بحد ذاتها ولكن هو مخالفة الخطة والتكتيك والأوامر العسكرية التي رسمها الخبراء العسكريون في صف جيش المسلمين في غزوة أحد، فهنا يتضح أن رأي الأغلبية لم ينتج عنه مفسدة على الإطلاق، بل كان هو النصر والتمكين لولا مخالفة الأوامر العسكرية التي كانت ستسفر عن انهزام حتى لو حصلت المعركة داخل المدينة، الجدير بالذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يعرض رأيه هنا إنما هو يتحدث كبشر، بل ربما يكون رأيه هو وكبار أصحابه في الجلوس يسفر عن خطأ وهزيمة في نتائج المعركة إذا تم الأخذ به.

بناء على النقاط الثلاثة المذكورة، ومقارنتها مع آراء المعارضين لاستفتاء البريكست، فإنني أخبرهم أن الشعب هو المسؤول عن قراره وتبعاته والأغلبية هي من تقرر، لا لأنها هي الأفضل دائما، بل لأن هذا هو أنسب الحلول وأفضلها، والذي يمكن أن يصل له العقل البشري في حدوده وقصوره حتى يدرأ الفتنة والنزاع والخلاف

The post ديمقراطية أُحُد والـ«بريكست» appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست