إن انتشار مد الثورات العربية خلق خلفه تأثيرات كبيرة غير معروفة النتائج على المنطقة العربية. ثلاث دول تسلطية سقطت فجأة، والبقية تمر بمراحل مختلفة من الاضطرابات وعدم الاستقرار.
وهذا المشهد السياسي، والاستراتيجي، يحمل في طياته العديد من الاهتمامات الأمنية؛ فالاضطرابات الإقليمية المحيطة بإسرائيل قضت بفاعلية على كل محاولات التطبيع العربي مع إسرائيل، الأمر الذي أفسح المجال لتركيا وإيران أن تلعبا وتتوسعا في إعادة تأثيرهما بالشرق الأوسط وبقوة كبيرة. كل ذلك يتم في ظل استمرار تقلص دور، وتأثير، السياسة الخارجية الأمريكية في مكافحة التطرف في الشرق الأوسط وتشجيعه.
البيئة الإقليمية لجيران إسرائيل
وبالرغم من أن الإمكانات الاقتصادية والعسكرية قوية لدى إسرائيل، إلا أنها بدون أصدقاء في الجوار الإقليمي لها، وتأثيرها الدبلوماسي أضعف في جيرانها الآخرين. وفي هذا المجال، فهي لم تستطع التأثير في مجريات الثورات العربية، ولا التحكم مجددًا في تفاعلات الشرق الأوسط، وتحديد مساراته لصالحها. فهي لم تعد بعد قادرة علي إعادة تشكيل مناطق هي خارج حدودها التقليدية. لقد خلقت هذه التطورات هواجس جديدة أمنية وسياسية لإسرائيل واعتبار العالم العربي والإسلامي مصدر خطر قديم جديد لها.
في بداية الربيع العربي رحبت إسرائيل به، ولكنها الآن حولته إلي هواجس من الخوف عليها، وعلى كيانها، ونتيجة لذلك تحول الربيع العربي، بالنسبة لها، إلى تخوف سياسي، وعدم استقرار لحدودها، الأمر الذي أدى بها أن لا تعرف طبيعة المشهد السياسي والاستراتيجي القادم إليها وإلى المنطقة بكامله.
يبدو أن إسرائيل لم تعد بتلك القدرة والقوة على استيعاب مشهد الثورات العربية المعاصرة، والتحكم أو التوقع لنتائجها، ووضعها في مفترق سياسي واستراتيجي جديد عليها، وعلى الشرق الأوسط. فالتغير الذي حدث للتوازن الإقليمي، وللممسك به، لم يعد له بعد القدرة على إعادة وتوجيه سياسته الخارجية، أو التأثير في سياسات الآخرين، وتحولها إلى ملعب آخر، وهما السياسة الخارجية لكل من إيران وتركيا، حلفاء إسرائيل القدامى.
فالثورة الإيرانية، بالنسبة لإسرائيل، استبدلت بنظام الشاة في إيران الصديق لها، نظام الدولة الدينية ذات قاعدة المذهب الشيعي. وفي تركيا، الحليف المركزي لإسرائيل، ومنذ انتخاباتها لسنة 2002، التي حققت الانتصار لحزب العدالة والتنمية، حولت تركيا الدولة المحورية في الإقليم الشرق أوسطي، إلى «المعسكر المعادي لإسرائيل».
نتائج التغير الشرق أوسطي على إسرائيل
ومن وجهة النظر الإسرائيلية ومحلليها الكبار، إن السبب هو تأخر دول الشرق الأوسط العربية في الالتحاق بركب الحريات المدنية، والسياسية، والتعليم والمساواة، والإنتاجية الاقتصادية. وهذه الحالة التي «يرثى لها»، لها جذور وأسباب من الإحباطات، والتي تغذي مسببات الثورات العربية في الشرق الأوسط. ولهذا، فغياب ثقافة الليبرالية السياسية، والتعبئة الجماهيرية، في إحداث التغير الاجتماعي والسياسي أمور قد نتوقعها أو لا نتوقعها! ولكن نتائج من الممكن توقعها على إسرائيل، وعلى استقرار الإقليم الشرق أوسطي.
من أكثر النتائج المخيفة لإسرائيل وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم في عدد من أقطار الشرق الأوسط. فالإسلاميون هم من أقوى التيارات الفاعلة تنظيمًا ومعارضة في معظم دول الجوار الإسرائيلي. ومعظم الأنظمة الثورية ، في كل مكان، في البدء تستعرض سلوكها الحربي فجأة في بدايتها الأولى، وبالتالي فإن الثورات العربية المعاصرة في الشرق الأوسط سوف تتبنى ذلك.
والديمقراطية التي حملتها معها الثورات العربية إلي الشرق الأوسط، يمكن أن تكون لها تأثيرات غير متوقعة علي القوى العلمانية والليبرالية في المنطقة، إذا كانت ضعيفة أو منقسمة، فان شواهد التاريخ تفيد أن الدول التي تمر بمرحلة الانتقال والتحول الديمقراطي، هي أساسًا، أكثر الدول مناصرة للحروب.
فالاضطرابات السياسية قد تقود إلي دمار الدولة أو إضعافها. وفي حالة الحكومة الفاشلة، وهي التسلطية، تكون غير قادرة أن تسيطر على منظومة أمنها، ولا حماية أمن حدودها، وتحديات مقدرتها على توفير الحاجات الأساسية لسكانها، من صحة وغذاء وأمن، وتعليم، وخدمات اجتماعية، إلى مواطنيها.
ومن الأمور التي لمسنها في المشهد الربيعي العربي، أن معظم الدول العربية تتكون من العديد من الإثنيات العرقية والثقافية، والأقليات، وترتبط بروابط قوية مع القوى عبر الوطنية، قد يجعل الثوران المستمر للحرب الأهلية في المنطقة، وتهيئتها لاستدعاء التدخل الخارجي. وذلك بسبب تنوعها.
ويبدو أن معظم دول الربيع العربي، والتي مرت بفترات غير مستقرة في الزمن القريب، أنها غير مؤهلة لأن تكون في حالة من التحديات المحلية الكبرى؛ لأنه من المعروف أن سياسات دول الربيع العربي الخارجية لم تحدد بعد وجهتها، ومن الصعوبة بمكان توقع مخرجاتها الاستراتيجية. وهذه الدول، أيضًا تواجه نمو التحديات الداخلية لديها.
تدني وتخبط التأثير الأمريكي في الشرق الأوسط
في الوقت الذي سقطت فيه الدول الحليفة للولايات المتحدة، و تأثيرها السياسي في الشرق الأوسط، أخذ دورها في التذبذب والانحسار في المنطقة. والسبب يكمن في مواقف إدارة «أوباما» المعتمدة على تخفيض نفقاتها، والتي هي مخططه لالتزاماتها الخارجية الأكثر أهمية وتعقيدًا، ونقل العديد من سياساتها إلي شركائها في العولمة.
التأثير الإيراني والتركي المتزايد
الاضطرابات العربية الربيعية ساعدت وسهلت الدول غير العربية ( تركيا وإيران) من التأثير الأكثر في مجريات أحداث الشرق الأوسط. والحاجة الملحة المقرونة بدور عربي للتورط في مشكلات الربيع العربي، من الممكن أن تقلل قدرتها لتضع قوتها خارج حدودها لتحارب الأنشطة الإيرانية والتركية وتأثيراتها الإقليمية. فالتأثير الإيراني – التركي كان مرحبًا به في دول الربيع العربي، الأمر الذي شجع الشوارع المصرية والليبية على إسقاط قادتها. وأصبحت مثقلة بمشاكل داخلية، لا تملك حيالها القوة لمواجهة واحتواء التأثيرات والطموحات السياسية الإيرانية والتركية.
والمحور الإيراني التركي، ومن أجل السيطرة على الإقليم، يسعى إلى الحصول علي دعم وشعبية وتأييد لسياسته التوسعية في المنطقة، من خلال التركيز على نقد إسرائيل، ومن خلال نمو تأثير الميول الأيديولوجي لحركة «الإخوان المسلمين» في هذه الدول. وفي هذا الإطار قرر المجلس العسكري المصري اتخاذ العديد من سياسات التقارب مع إيران. وذهبت تركيا إلي دعم الطوائف السنية في سوريا، الحليف الرئيس لإيران. وحالة عدم الاستقرار في سوريا، جددت معها التنافس التاريخي التركي الفارسي، وخلق إشارات تخفيف القوة العربية نحوه، وتقلص التأثير الغربي. ومن الممكن هنا، التوقع أن سوريا سوف تتحول إلي جبهات للصراع التركي- الإيراني.
زيادة التهديدات الأمنية
وبما أن الدور الأمريكي في حالة التدهور والتدخل في الشؤون العالمية، وفي الشرق الأوسط خصوصًا، الأمر الذي يشكل تأثيرًا سلبيًا على إسرائيل، ويرغم الإدارة الأمريكية علي زيادة دعمها لها؛ لأن التقارب الإدراكي بين إسرائيل وواشنطن هو محتوى الوضع الردعي للدولة اليهودية، والإشكال الإسرائيلي- الأمريكي هو أن الإدارة الأمريكية دائما تحكم على أعدائها، والتعامل معهم على حساب التحالف القديم والدائم مع حلفائها.
والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن قوة الردع العربي غير قادرة على مقابلة القوة الإسرائيلية، ولكنه من الممكن أن التهيج الثوري أن يوحدهم في حرب ضد إسرائيل، والاضطراب السياسي خارج حدود إسرائيل قد بدأ في إنتاج تهديدات أمنية عسيرة المعالجة.
فالاضطراب السياسي في العالم العربي هو ناقوس تحذير لإسرائيل لتدعم دفاعاتها المختلفة. وإسرائيل سوف تجد أنه من الضروري أن تعمل على تمركز قواتها العسكرية ضد التهديدات الأمنية التي تزداد؛ نتيجة للاضطراب السياسي في الدول المجاورة. وقراراتها وسياساتها يجب أن تعد وتتضمن السيناريوهات المناسبة، والتوسع في بناء جيش الدفاع الإسرائيلي، ليكون قادرًا على خوض الحروب الكبرى. وقرارات وسياسات مناسبة للبناء العسكري وتوزيع الموازنات مهمة مستعجلة لا تتحمل التأخير.
لذا ترى إسرائيل عليها أن تصر على حدود دفاعية لأية معاهدات سلام قادمة مع الفلسطينيين أو السوريين، لأن المحادثات الضائعة حول التقنية والتي ترغبها إسرائيل، والإقلال من القيمة العسكرية للأرض وممتلكاتها، هي تجاهل للحقيقة أن التقنية زائلة ولا فائدة فيها. لقد أثبت التاريخ أن التقنية المتطورة والمتفوقة والأسلحة الجيدة، ليست كافية في كسب المعارك الحربية.
وخلاصة الحديث إن الاقتصاد الإسرائيلي يستطيع أن يوفر نفقات دفاعية لمقابلة التحديات الأمنية، فإسرائيل ترى وجوب أن توضح للجمهور الإسرائيلي أن تغيير الظروف يتطلب إجراءات تقشفية، والتي من الممكن تقلص مستوى المعيشة لديهم.، وهذا يتطلب أيضًا تقريب الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وذلك لصنع المجتمع المتجانس والمتوحد. وأي نظام عربي شرق أوسطي قادم، أو الاستبدال به نظامًا أكثر ديكتاتورية، أو نظامًا ديمقراطيًا. إسرائيل يبدو أنها سوف تبقي في التقلب السياسي لسنوات قادمة، بتشعباته الأمنية والاستراتيجية. ومع انخفاض تأثير الولايات المتحدة، وصعود قوتين إقليميتين (تركيا وإيران) في المنطقة، لتحدى إسرائيل، فالشرق الأوسط يبشر بتحديات إلى أمن إسرائيل أكثر من ذي قبل.
The post مدى تأثير الثورات العربية على إسرائيل «من وجهة نظر إسرائيلية» appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست